النهار

٢١ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ يناير-٢٠٢٦       7645

بقلم ـ د. غالب محمد طه
أصبحت الأيام تركض مثلنا تمامًا، بل تكاد تسبقنا بمراحل، وكان بيننا وبينها سباق محموم، حتى إن الوقت لا يمرّ من حولنا، بل يمرّ فينا، يترك أثره على قلوبنا قبل أن يتركه على أعمارنا. وفي هذا الانشغال الذي يبتلع تفاصيلنا الصغيرة، نتفاجأ بمرور الأيام وتعاقب الشهور، ليطلّ علينا شعبان كاستراحة خفيفة في منتصف الطريق، كنافذة نفتحها لنسمح للروح أن تتنفس قليلًا قبل أن يدخل رمضان بكل شعائره وعمقه الإيماني.
فقد كان النبي ﷺ يلفت الأنظار إلى هذا الشهر المنسي بين رجب ورمضان، حين سأله أسامة بن زيد عن كثرة صيامه فيه، فقال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين». لم يكن حديثه عليه أفضل الصلاة والتسليم بيانًا لحكم، بل كشفًا لطبيعة الإنسان؛ فنحن ننشغل بما هو ظاهر، ونغفل عن اللحظات التي تبدو سريعة، بينما تحمل في داخلها قيمة لا تُقدّر بثمن، كأن شعبان يهمس لنا بأن ننتبه، فالأعمال تُرفع، والنيات تُختبر، والقلوب تُهيأ لما هو أعظم.
وفي هذا المعنى، يصبح شعبان أكثر من شهر للعبادة الفردية؛ إنه مساحة للتأمل الاجتماعي والإنساني، وفرصة لننظر إلى تفاصيل حياتنا الصغيرة التي نمرّ عليها مرورًا سريعًا: ابتسامة نمنحها لزميل، مساعدة بسيطة لجار، اتصال نعيد به صلة مقطوعة، أو كلمة نعتذر بها عن خطأ طال انتظاره. هذه الأفعال التي قد تبدو عادية تتحول في شعبان إلى عبادة تُصلح الداخل قبل أن نصل إلى رمضان، وتعيد ترتيب علاقتنا بالناس كما تعيد ترتيب علاقتنا بالله.
وعلى مستوى الزمن الشخصي، يمنحنا شعبان لحظة نادرة لالتقاط الأنفاس؛ هو الشهر الذي يمكن أن نقف فيه أمام أنفسنا قليلًا، نراجع ما تراكم من عادات، وما انشغلنا عنه من أولويات، وما أهملناه من نوايا. قبل أن يدخل رمضان بنظامه الخاص وصيامه وشعائره، يأتي شعبان كمرحلة انتقالية هادئة، كجسر بين العادة والعبادة، بين الفوضى والتنظيم، بين التعب والسكينة، وفي هذا الجسر نستطيع أن نعيد ترتيب أيامنا، ونضبط إيقاع حياتنا، ونهيئ قلوبنا لاستقبال الشهر الفضيل بروح أكثر صفاء.
ولشعبان أيضًا ذاكرة تاريخية عميقة؛ فقد كان المسلمون عبر العصور يرون فيه شهر الاستعداد الحقيقي، لا لأن الآخرين يفعلونه، بل لأنهم وجدوا فيه راحة واستعدادًا صادقًا للروح. كانوا يتعاملون مع أيامه كفرصة تُصلح الداخل قبل أن يشتدّ عليهم وقع رمضان، وكأنهم يهيئون الطريق للسكينة قبل أن تحلّ في قلوبهم.
وشعبان شهر يوقفك قليلًا، كأن أحدهم يربت على كتفك ويقول لك: انتبه لنفسك؛ شهر صغير في التقويم، لكنه كبير في أثره على القلب، يلمّ شتاتك قبل أن تدخل في عمق رمضان، ويعيد ترتيب الداخل بطريقة لا تصنعها الشهور الأخرى.
وفي نهاية هذا التأمل، ندرك أن شعبان لحظة صادقة نستعيد فيها ما تبعثر منا، ونرفع فيها أعمالنا إلى الله بقلوب أكثر وعيًا، ونستقبل فيها الشهر الفضيل ونحن أخفّ، وأصفى، وأكثر قربًا. وأظن أن كل من يقرأ هذا الكلام يشعر بشيء منه، فالمقام هنا ليس مقام وعظ أو إرشاد، بل مقام محبة وتقدير.
اللهم بارك لنا في شعبان، وبلغنا رمضان، وقد وسّعت أرزاقنا، وجبرت خواطرنا، وغفرت ذنوبنا، وأعنتنا على الطاعات.