النهار
بقلم - حذامي محجوب
في لحظةٍ تتسارع فيها التحولات الاقتصادية العالمية، وتتفجر فيها الفرص في مجالات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتقنية الحيوية، تتقدم السعودية بسرعة واضحة لا تترك مجالًا للشك: إنها ليست دولةً تتحدث عن المستقبل فقط، بل دولة تبنيه. وليس صدفة أن يكون حضورها في دافوس 2026 بهذا الحجم، لأن السعودية اليوم لا تذهب إلى المنتديات الدولية كضيفٍ يطلب الاعتراف، بل كفاعلٍ يقدم نموذجًا عمليًا للتنمية.
ما يميز السعودية ليس ثراءها أو حجم اقتصادها فحسب، بل قدرتها على إعادة تشكيل نفسها من دولة تعتمد على النفط إلى دولة متعددة المصادر، قادرة على أن تنافس في مجالات جديدة وتستثمر في قطاعاتٍ تنسجم مع الاقتصاد العالمي القادم. رؤية 2030 ليست شعارًا تسويقيًا، بل خطة عمل واضحة تتحرك بسرعة، وتُحوّل الاقتصاد السعودي من اقتصادٍ تقليدي إلى اقتصادٍ معرفي. وهذا التحول هو ما يجعل السعودية اليوم محل اهتمام العالم، ليس لأن لديها المال فقط، بل لأن لديها قدرة على تحويل المال إلى مشاريع إنتاجية، وإلى بنية تحتية، وإلى فرص عمل، وإلى قيمة مضافة.
في السعودية، لم يعد الحديث عن “الاستثمار” مجرد كلمة، بل أصبح أسلوب حياة اقتصادي. الاستثمار في التكنولوجيا، في الصناعة، في السياحة، في الطاقة المتجددة، وفي المدن الجديدة، يخلق اقتصادًا أكثر تنوعًا واستقرارًا. وهذا ما يجعل السعودية اليوم ليست فقط دولةً تستقبل الاستثمارات، بل دولةً تُولّدها. وهي بذلك تنتقل من موقع “المنفذ” إلى موقع “المُصنّع”، ومن موقع “المستهلك” إلى موقع “المُبدع”.
والأهم من ذلك أن السعودية بدأت تُظهر كيف يمكن للدولة أن تتحول إلى منصة جذبٍ للخبرات العالمية، دون أن تتوقف عند حدود نموذجٍ واحد. فالاقتصاد السعودي لا يعتمد على قطاعٍ واحد، بل يوزع المخاطر ويستثمر في مستقبل متغير. هذا ما يجعل النمو السعودي أكثر قابلية للاستمرار، لأنه ليس نموًا يعتمد على عاملٍ واحد، بل نموًا يعتمد على منظومة متكاملة: بنية تحتية قوية، طاقة متجددة، تقنيات حديثة، سياحة متطورة، وصناعة متقدمة.
وعندما نتحدث عن السعودية كنموذج اقتصادي، لا يمكن أن نتجاهل عنصرًا أساسيًا: السرعة في التنفيذ. كثير من الدول تتحدث عن الخطط، لكن السعودية تتحدث عن النتائج. هذا واضح في المشاريع الضخمة التي تم إطلاقها خلال سنوات قليلة، وفي تحول المدن إلى مراكز اقتصادية جديدة، وفي خلق بيئة استثمارية تشجع الشركات العالمية على الدخول، وفي إعادة تنظيم الاقتصاد بطريقة تجعل السوق السعودي أكثر جاذبية. وهذه السرعة ليست مجرد “عجلة تطوير”، بل هي مؤشر على قدرة الدولة على اتخاذ قرارات جريئة وتنفيذها بكفاءة.
وفي دافوس، لا تحتاج السعودية إلى أن تبرر نفسها أو تشرح رؤيتها. العالم يعرف أن السعودية ليست مجرد “دولة نفط”، بل هي دولة تسعى لتكون جزءًا من الاقتصاد العالمي الجديد. وهي بهذا تشكل نموذجًا لمن يريد أن يتحول من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يعتمد على الابتكار والمعرفة. فالمستقبل لا يرحم الدول التي تتأخر في التحول، والسعودية تدرك ذلك جيدًا، فتتحرك بسرعة وتضع نفسها في موقع المنافسة.
السعودية اليوم لا تكتب قصة “نجاح اقتصادي” فقط، بل تكتب قصة تحولٍ كامل. من دولة تعتمد على مورد واحد إلى دولة متعددة المصادر، من اقتصادٍ مستهلك إلى اقتصادٍ منتج، ومن دولة تتلقى العالم إلى دولة تصنع فرصًا عالمية. وهذا هو معنى النموذج الاقتصادي السعودي: ليس في حجم الأموال، بل في القدرة على تحويل الموارد إلى اقتصاد متكامل، وخلق قيمة فعلية، وبناء مستقبلٍ لا يعتمد على تقلبات السوق العالمية.
وفي النهاية، يمكن القول إن السعودية ليست في دافوس لتُعرض كدولة “تطمح”، بل لتُعرض كنموذج “يُطبق”. إنها دولة أثبتت أن التحول ليس مجرد كلام، بل قرار، وأن الاقتصاد يمكن أن يُعاد تصميمه بسرعة إذا كانت الإرادة موجودة. وفي عالمٍ يتغير بسرعة، يصبح النموذج