النهار
بقلم - عبدالمحسن الحارثي
ليست مكة المكرمة مدينةً للمكان فحسب، بل مدينةٌ للمعنى ، وكل ما يُقام فيها ؛ يُقاس بميزان الأثر، لا بضجيج الظهور.
وقد قال أهلها قديمًا: «مكة لا تقبل من العمل إلا ما خالطه الإخلاص».
ومن هذا الميزان ؛ تبرز ديوانية الجارالله بوصفها فعلًا ثقافيًا واجتماعيًا راشدًا، يليق بقدسية المكان، ويوازي تاريخه العلمي والأدبي والإنساني.
الدكتور أحمد جار الله الحارثي أدرك أن المكانة الاجتماعية لا تكتمل إلا إذا تحوّلت إلى خدمة، وأن المال إذا لم يُضَخ في شرايين المجتمع ظل رقمًا بلا روح.
ويصدق هنا قول عمر بن عبدالعزيز: «إنما الناس بأعمالهم، لا بأموالهم ولا بأنسابهم».
فجعل من ديوانيته منبعًا للعطاء، لا صالةً للوجاهة، ومساحةً للبذل لا للمباهاة.
في هذه الديوانية ؛ يُستعاد معنى المجلس المكي الأصيل ؛ ذلك المجلس الذي عُرفت به مكة عبر تاريخها، حيث كان العلماء والتجار والرحّالة يجلسون على بساط واحد.
وقد روى الأزرقي في أخبار مكة أن مجالسها كانت: «تجتمع فيها الحكمة من أفواه الرجال كما يجتمع الماء في الوادي».
وهنا يتجاور العلم والأدب، وتفتح الثقافة ذراعيها للرياضة، في وعيٍ عميق بأن الإنسان وحدة متكاملة لا تُجزّأ.
لقد مُنحت الرياضة في ديوانية الجارالله مساحتها الطبيعية، لا باعتبارها ترفًا، بل باعتبارها سلوكًا وقيمة.
وقد قال الإمام الشافعي ـ وهو من أبناء مكة علمًا وروحًا ـ: «العلم لا يُصلحه إلا العقل، ولا يصلح العقل إلا صحة البدن».
فكان الاتزان حاضرًا؛ لا طغيان لفكرة، ولا إقصاء لمجال.
وتتجلّى فرادة هذه الديوانية في كونها جامعة غير معلنة، تُدرِّس القيم قبل المعارف، وتغرس الشيم قبل الخطاب.
يجلس فيها الجميع بلا تصنيفات، فالكل سواسية، لا يُسأل الحضور: من أنت؟ بل: ماذا تحمل من فكر وأثر؟ وهنا يستعاد قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «قيمة كل امرئ ما يحسنه».
أما الضيافة ؛ فليست طقسًا اجتماعيًا عابرًا، بل لغة احترام رفيعة. كرمٌ لا يُعلن عن نفسه، وعطاءٌ لا يُثقِل على المتلقي.
وقد قيل في حكمة أهل الحجاز: «الضيف يُكرَّم قبل أن يُطعم»،
وهو ما تُجسّده الديوانية فعلًا لا قولًا.
ويظل المُخْرَج العام للديوانية منضبطًا بما يليق بمكة وأهلها؛ فلا انفعال خارج السياق، ولا إسفاف يسيء للمعنى، ولا تجاوز لروح المدينة.
فمكة ـ كما قال بعض علمائها ـ: «تُهذّب الفكرة قبل أن تُنطق، وتزن القول قبل أن يُقال»،
وكل من يعمل في فضائها مطالب بأن يكون على قدر هذا الإرث.
وهكذا ؛ لم تكن ديوانية الجارالله مجلسًا عابرًا، بل تجربةً ناضجة، جمعت النخب دون أن تعزل العامة، واحتفت بالعلم دون تعالٍ، وقدّمت نموذجًا لما تصنعه المبادرات الفردية حين تُدار بوعي، وتُربط بالقيم، وتُخلص للمكان.
إنها ديوانية تُذكّرنا بحقيقة مكية ضاربة في الجذور: أن الأثر الطيب ؛ هو أعلى مراتب العمل، وأبقى وجوه الصدقة، وأن مكة ما زالت ـ وستظل ـ قادرة على إنجاب المجالس التي تُنير العقول، وتجمع القلوب، وتُضيف للإنسان قبل أن تضيف للمشهد.