النهار
بقلم : علي المالكي
في تاريخ العلاقات بين الدول هناك من تحكمه المصالح الآنية وهناك من تحكمه الجغرافيا والقدر وهناك من تحكمه الأخوّة والضمير.
وفي علاقة المملكة العربية السعودية باليمن لم تكن السياسة يوما مجرد حسابات نفوذ بل كانت دائمًا مسؤولية تاريخ وأمانة جوار وواجب استقرار.
فمنذ عقود طويلة والسعودية تنظر إلى اليمن لا كملف سياسي بل كعمق استراتيجي وإنساني وأخوي تدرك أن استقراره من استقرارها وأن انهياره خطر على المنطقة بأسرها وأن العبث بمقدراته جريمة لا يمكن السكوت عنها.
حين اختارت السعودية طريق التضحية لا المتاجرة
عندما دخل اليمن في أخطر مراحله لم تبحث السعودية عن مكاسب بل عن إنقاذ وطن.
لم ترسل شعارات بل أرسلت رجالها وفتحت حدودها وسخرت إمكاناتها وضخت ملياراتها في دعم الشرعية وإغاثة الشعب وحماية وحدة الأرض اليمنية من مشاريع التفتيت والهيمنة.
لم يكن تدخلها مغامرة سياسية بل موقف دولة تعرف أن سقوط اليمن يعني فتح أبواب الفوضى على الخليج والمنطقة ويعني تحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحات صراع دائم تهدد التجارة العالمية والأمن الإقليمي.
دماء سعودية كتبت معنى الأخوّة
دفعت السعودية ثمنا باهظا من دماء أبنائها وضباطها وجنودها ومواردها واقتصادها في سبيل أن يبقى اليمن دولة لا ميليشيا وطنًا لا رهينة شعبًا لا أداة.
هذه ليست لغة دعاية بل حقائق موثقة في كل جبهة وفي كل قرية يمنية وصلتها قوافل الغذاء والدواء والوقود والمستشفيات الميدانية والمدارس وإعادة الإعمار.
مشروع إنقاذ لا مشروع هيمنة
بينما كانت مشاريع أخرى في المنطقة تبني نفوذها على أنقاض الدول وتستثمر في الفوضى والميليشيات بنت السعودية مشروعها في اليمن على حماية الدولة اليمنية ومؤسساتها ودعم جيشها الوطني والحفاظ على وحدتها الجغرافية والسياسية.
لم تسع لنهب ثرواته ولم تفرض وصاية على قراره بل قاتلت لكي يبقى القرار يمنيًا لا مستوردًا، والسيادة يمنية لا مخطوفة.
الإنسان أولًا
لم يقتصر الدور السعودي على الجانب العسكري والسياسي بل كان الجانب الإنساني هو العنوان الأوضح :
مراكز إغاثة جسور جوية دعم صحي برامج غذائية مشاريع مياه إعادة تأهيل مدارس ومستشفيات وكل ذلك في وقت كانت فيه المملكة تتحمل أعباء اقتصادية هائلة دفاعًا عن وطنها وأمن المنطقة.
حرب من أجل السلام
قد تبدو المفارقة قاسية لكن الحقيقة أن السعودية خاضت حربًا كي لا يغرق اليمن في حروب لا تنتهي وخاضت المواجهة كي تمنع تحويله إلى منصة صراع إقليمي دائم.
ولولا هذا الموقف لكان اليمن اليوم ساحة مفتوحة لكل قوى العبث ولكانت المنطقة بأسرها على شفا انفجار لا يمكن احتواؤه.
السعودية لم تكن يومًا خصمًا لليمن بل كانت دائما سنده الأخير عندما خذله الجميع.
وقفت عندما انهارت الدولة ودعمت عندما ضعفت المؤسسات وضحت عندما خاف الآخرون من كلفة التضحية.
وهذا الدور مهما حاولت حملات التشويه إنكاره سيبقى جزءًا ثابتًا من ذاكرة اليمنيين الشرفاء ومن تاريخ المنطقة ومن سجل الدول التي حين يختبرها الزمن تختار طريق المسؤولية لا المزايدة وطريق التضحية لا المتاجرة وطريق البناء لا الخراب.