النهار

١٣ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ يناير-٢٠٢٦       6545

بقلم - حمد حسن التميمي

في محطة قطار مزدحمة، ينساب الزمن كجدول صارم لا يرحم، يفتح الأبواب ويغلقها في الثانية ذاتها، كأن كل دقيقة مسمار في سكة حديد مستقيمة لا تحتمل التأخير. وعلى الطرف الآخر من العالم، عند باب بيت طيني في قرية بعيدة، يجلس شيخ على حصير بلا ساعة في معصمه، يقيس نهاره بظل شجرة وبخيوط شمس تزحف على الجدار. مشهدان متناقضان، لكنهما يعيشان تحت السماء نفسها، وفي الكون نفسه، حيث الزمن يظل حاضراً، وإن اختلفت طرق عيشه.  
الفيزياء تقول إن الزمن ليس وهماً، بل بُعد من أبعاد الوجود، يتباطأ أو يتسارع تبعاً للحركة والجاذبية. ساعة في طائرة نفاثة لا تشبه ساعة على الأرض، والزمن قرب ثقب أسود ليس كالزمن في حديقة بيتنا. الكون لا ينتظر اتفاق البشر ليعمل، لكنه يترك لهم حرية أن يختاروا كيف ينظمون حياتهم على إيقاعه.  
وهنا يطل السؤال الذي لا يهدأ: هل الزمن  قانون فيزيائي  صارم تحكمه معادلات الكون، أم أنه اتفاق اجتماعي نصنعه نحن لنضبط إيقاع حياتنا؟  
من هنا يبدأ الإنسان في إعادة تشكيل الزمن على مقاسه. اخترع الساعات الرملية والمائية، ثم الميكانيكية والذرية، وقسم الأيام إلى ساعات والدقائق إلى ثوان، ورتب جداول العمل والعطلات والمواسم. هذا ما يسميه علماء الاجتماع "البناء الاجتماعي للزمن": نحن لا نغير قوانينه، لكننا نقرر كيف نعيشها، وكيف نمنح كلمات مثل "التأخر" و"الانضباط" معناها.  
ومع مرور الوقت، تحول هذا البناء الاجتماعي إلى شبكة ضاغطة على الإنسان. الطفل محاصر بين حصص دراسية وجداول أنشطة، الموظف بين بصمة الحضور والانصراف، والعامل الحر بين عدد المهام التي ينجزها في اليوم. فجأة لم يعد الزمن مجرد انسياب أحداث، بل معياراً أخلاقياً يُحاسب عليه الناس: هذا "يحترم الوقت"، وذاك "يضيع وقته"، وثالث "لا يستحق الفرص لأنه متأخر دائماً". 
لكن المفارقة أن الإحساس بالزمن لا يطيع ساعاتنا. دقيقة انتظار في غرفة طوارئ أطول من ساعة مع شخص نحبه، وأسبوع إجازة يمر كغمضة عين، بينما آخر ساعة في يوم العمل تكاد تتجمد. هناك دائماً ساعتان تعملان في آن واحد: ساعة في المعصم، وساعة في القلب، ولا تتطابقان إلا نادراً.  
ومن هنا يصبح السؤال: كيف نعيد علاقتنا بالزمن إلى توازنها؟ يمكن أن نبدأ بإعادة تعريف الوقت الضائع، فنرى في لحظات الشرود والتأمل استثماراً في الوعي لا هدراً. يمكن أن نخفف من صرامة جداول العمل عبر اعتماد ساعات مرنة أو العمل عن بُعد، لنقلل من استنزاف الوقت في الطرقات. يمكن أن نبتكر تقاويم دراسية تراعي إيقاع نمو الأطفال بدل أن تسحقهم بسباق الامتحانات. ويمكن أن نمنح البطء مكاناً في حياتنا، باعتباره حكمة تمنحنا فرصة للفهم العميق بدل الركض وراء عقارب الساعة.  
وإذا نظرنا إلى المستقبل، قد نشهد ثورة جديدة في علاقتنا بالزمن. مجتمعات ستعيد صياغة جداول العمل لتصبح أكثر إنسانية، مدارس ستبتكر أنظمة تعليمية مرنة تراعي نمو الأطفال لا سباق الدرجات، وتقنيات ذكية ستساعدنا على تنظيم الوقت دون أن تحوله إلى سوط، بل إلى مساحة أوسع للمعنى. قد نصل إلى مرحلة يصبح فيها "إيقاع الحياة" أهم من "عدد الساعات"، حيث يُقاس العمر بما عشنا من تجارب ومعان، لا بما قطعناه من دقائق.  
الزمن إذن ليس عدواً ولا آلة صماء، بل مرآة تعكس كيف نختار أن نعيش. هو الحقيقة الفيزيائية التي تذكرنا بأن أعمارنا محدودة، وهو أيضاً الحقيقة الاجتماعية التي تمنحنا حرية أن نملأ هذه الأعمار بما نشاء. والسؤال الأجمل ليس: هل الزمن مجرد اتفاق اجتماعي؟ بل: أي اتفاق نريد أن نبرمه مع زمننا نحن؟ أن يكون سوطاً يجلدنا، أم مساحة نعيد فيها ترتيب أولوياتنا، لنقيس جودة العمر بما عشنا من معنى، لا بما قطعناه من عقارب ساعة.