النهار
بقلم - الدكتور سعود عقل
أصبح السؤال هذا يطرح نفسه بقوة أكبر من أي وقت مضى. الإجابة تقول: الصداقة الحقيقية لم تنتهِ، لكنها أصبحت عملة نادرة جدًا، ونحن كأفراد وكمجتمع ساهمنا بشكل كبير في تآكلها.
لماذا نشعر أن عصر الصداقة الحقيقية انتهى؟
1. السوشيال ميديا حوّلت الصداقة إلى "رقم" وليس علاقة
عدد "الأصدقاء" أو "المتابعين" أصبح مقياسًا للقيمة الاجتماعية، لكن معظم هذه العلاقات سطحية: لايك، كومنت، ستوري، وانتهى الأمر.
هناك دراسات حديثة (مثل تقارير 2025 من مراكز بحث أمريكية وعربية) تظهر أن الوقت الذي نقضيه مع أصدقاءنا "وجهًا لوجه" انخفض بشكل ملحوظ، بينما الوقت على الشاشات زاد.
المراهقون اليوم يقضون أقل من ساعة يوميًا مع أصدقاء خارج المدرسة مقارنة بـ140 دقيقة قبل عقدين.
والنتيجة: شعور بالوحدة رغم وجود آلاف "الأصدقاء" الافتراضيين.
2. الصداقة أصبحت "مصلحة" أكثر من "وفاء"
كثير من الناس يقولون: العلاقة تنتهي بمجرد انتهاء المصلحة. في زمن الضغوط الاقتصادية والمهنية، وأصبحت الصداقة أداة للشبكات الاجتماعية أكثر من كونها دعمًا عاطفيًا غير مشروط.
وفي المجتمعات العربية، يلاحظ الكثيرون أن الصداقات تتآكل بسبب الغيرة، المقارنة، أو حتى النجاح الشخصي لأحد الطرفين.
3. الانشغال والحياة السريعة قتلت الوقت المشترك
ولكي تكوين صداقة حقيقية يحتاج وقتًا طويلًا فهناك دراسات تقول: يحتاج الشخص من 80–100 ساعة من التفاعل المباشر لتصبح صداقة حقيقية.
واليوم، نادرًا ما نجد الوقت لهذا التفاعل بسبب العمل، الدراسة، الأسرة، والتنقل.
النتيجة: صداقات "مرحلية" تنتهي مع تغيّر الظروف.
4. الخوف من الالتزام والضعف
الكثيرون يفضلون الصداقات الافتراضية لأنها "آمنة"يمكن حظر الشخص في ثانية إذا أصبح مزعجًا، أو تجاهله دون مواجهة.
اما الصداقة الحقيقية تتطلب تحمل المواقف الصعبة، الاعتذار، الغفران، والدعم في الأزمات وهذا أصبح مخيفًا للكثيرين.
السؤال هل الصداقة الحقيقية لا تزال موجودة ؟
نعم هناك أشخاص لا يزالون يحافظون على أصدقاء منذ الطفولة أو الجامعة، يقفون معهم في السراء والضراء.
وبعض الصداقات الرقمية تحولت إلى علاقات حقيقية عميقة (نلتقى بهم في الواقع واستمرت).
اذن الصداقة الحقيقية ليست منقرضة، لكنها تحتاج جهدًا أكبر واختيار واعٍ ،وقت مقصود، وشجاعة في التعبير عن المشاعر.
نحن من اخترنا السهولة ونحن من سمحنا للمقارنة والغيرة أن تسمم العلاقات.
ولكن الإحياء ممكن: قلل وقت السوشيال ميديا، حدد مواعيد للقاء الأصدقاء الحقيقيين، كن صادقًا في مشاعرك، ولا تخف من الالتزام.