النهار

١١ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يناير-٢٠٢٦       21395

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

الصّرحُ الكبير
شعر د.: عبدالرحمن العشماوي 

‏ياراكبَ الوهمِ هل أدركتَ ما صارا
‏وهل  رأيتَ  بنـاءَ  الوهم  مُنهارا

‏وهل سمعت نعيقاً كنتَ تحسَبُه
‏شَدْواً وكنت  تظنّ الشّوك أزهارا

‏أعوذبالله من قلب الحَقودِ  ومن
‏نفس  الحَسودِ وممّن يَلعبُ الزّارا

‏ومَن  يَكيـلُ  بمِكْـيالَين   متّخذاً
‏من  التلَوُّنِ  طَبعاً  يجلبُ  العارا

‏أعـوذ بالله  من  كــفٍّ  مُدنَّسـةٍ
‏ترمي  على جارها شوكاً وأحجارا

‏ياراكبَ  الوهم إن الوهمَ  مَهْلَكةٌ
‏فلن  ترى  فيه إلا الجمرَ  والنارا

‏ماذنبُ  صومالنا  ماذنبُ غزّتنا
‏ماذنبُ سودانِنا تَجزيه إنكارا؟

‏وماذنوب الثّكالى الباكيات على
‏أطفالهنّ  بدم عِ العين مِدْرارا؟

‏وكيفَ  تُهتَـك  أعراضٌ  مُحصّنةٌ
‏وما صحا قلبُ  هَتّاكٍ ولا غارا؟

‏ماذا جنى اليمنُ الغالي لتضربَه
‏كفُّ  الخيانة تمزيقاً  وإضرارا ؟

‏أما كفاهُ من الحَوثيّ ما اقترفتْ
‏يداه ظلماً  وتخريباً  وإحصارا؟

‏أقصرْيديك عن الصرح الكبير ولا
‏تُهدِرَ حياتك بالأوهـام  إهـدارا

‏صرحٌ تسامى بدين  اللهِ  جانبُه
‏والمسجدين وضمّ الوحيَ والغارا

‏وفوقَـه  رايـةُ  التوحيدِ  خافقةً
‏تَزيدُه  في قلوب  الناس  إكبارا

‏هلّا  وقفتَ  قليلاً كي تَمُدَّ  يداً
‏يُمْنى  تصافح  بالإحسـان إيثارا

‏ما زال في الوقت للتّصحيحِ مُتّسَعٌ
‏فمن يَتُبْ يَلْقَ ربَّ الكون  غفّارا

‏ومَن تمادى رأى عُقبى  تَطاوُلِه
‏ناراً تلَظّى … وإذلالاً … وإدبـارا

‏إني لأسمع  صوتَ الصّرْحِ  يُعلنُها
‏إن كنتَ ريحاً فقد لاقيتَ إعصارا

ــــــــ……………………..ــــــــ

تتجلّى قيمة قصيدة الصّرح الكبير للدكتور عبدالرحمن العشماوي حين تُقرأ ؛ بوصفها نصًا كاشفًا لا مزخرفًا، وشهادة وعي لا مجرّد انفعال. 
فهي لا تنتمي إلى الشعر بوصفه ترفًا لغويًا، بل إلى الكلمة بوصفها موقفًا. 
هنا يتحوّل الشعر إلى أداة قراءة للواقع، لا هروبًا منه، وتغدو الصورة البلاغية وسيلة لفهم ما جرى ويجري، لا ستارًا عليه.

يبدأ الشاعر بنداء «راكب الوهم» ؛ وهو توصيف بالغ الدقة لمن يخلط الخديعة بالسياسة، والتلوّن بالحنكة، والضجيج بالفعل.

ذاك الذي حسب النعيق شدوًا، ورأى الشوك أزهارًا، فانخدع بالمشهد قبل البنية، وبالانطباع قبل المعلومة. 
وفي علم الأمن، تُعدّ هذه اللحظة أخطر مراحل الانهيار غير المعلن؛ إذ تشير إحدى القواعد الصلبة إلى أن فقدان القدرة على التمييز هو أول خسائر الصراع. 
فالمعركة التي تُدار بالتصوّر لا بالتحليل، تكون نتائجها محسومة قبل أن تبدأ.

ويمضي النص إلى مساءلة الضمير الجمعي، مستحضرًا الصومال وغزة والسودان واليمن، لا كعناوين أخبار، بل كملفات مفتوحة في سجل الفشل الدولي.

هنا يتحوّل السؤال من «ما الذي يحدث؟» إلى «من يبرّر ما يحدث؟».

فحين يصبح المدني رقمًا، والدم بندًا جانبيًا في الحسابات؛ تفقد الحرب أي غطاء أخلاقي أو استراتيجي. 
وفي الأدبيات العسكرية يقال بوضوح: حين يُدرج المدني ضمن بنك الأهداف ؛ تتحوّل القوة من أداة ردع إلى أداة فوضى.

وفي قلب هذا المشهد المضطرب ؛ ينهض رمز الصّرح الكبير..ليس كيانًا عاطفيًا ولا بناءً ظرفيًا، بل منظومة مركّبة من الدين والوعي والتاريخ؛ أي من عناصر الشرعية والعمق الاستراتيجي. 
لذلك يخاطبه الشاعر بثقة لا بذعر ؛ لأن ما بُني على أصلٍ صلب لا يحتاج إلى استعراض قوة دائم. 
وكما تقول مدارس الصراع الحديثة: القوة التي تُستنزف في إثبات ذاتها ؛ قوة قلقة، أما القوة الواثقة فتكتفي بالحضور.

ويكشف النص-دون تصريح مباشر- أخطر أنماط التهديد: التهديد المركّب، حين يلتقي الوهم بالخيانة، والشعار بالعمالة، والسياسة بالفوضى.

فليس كل من رفع شعارًا صاحب مشروع، ولا كل من ادّعى الحماية حاميًا. 
ومن يستعين بشياطين الإنس ؛ فهو عفريت في صورة بشر ؛ لأن التحالف مع أدوات التخريب لا يصنع أمنًا، بل يؤجّل الانفجار.

ولهذا تحذّر القواعد الأمنية بصرامة: من يستعن بالميليشيا اليوم ؛ سيقع تحت ابتزازها غدًا، فاللاعبون خارج الدولة لا يبنون دولة، بل يعيشون على أنقاضها.

ومع ذلك ؛ لا يُغلق الشاعر باب المراجعة..يترك نافذة للتصحيح ؛ لأن الحكمة في إدارة الصراع لا تكمن في العناد، بل في قراءة اللحظة.

غير أن التحذير حاسم: من يتمادى في الوهم، ويرفض تصحيح أخطائه التكتيكية ؛ سيدفع الثمن استراتيجيًا.

فالتاريخ العسكري لا يرحم من يكرر الخطأ نفسه متوهمًا نتيجة مختلفة.

في الصّرح الكبير  ؛ لا نقرأ قصيدة فحسب، بل خريطة صراع: وهمٌ يُزيَّن، وريحٌ تُغري، ثم إعصارٌ يكشف، وصرحٌ يبقى.

وتلك هي القاعدة الجامعة بين السياسة والأمن: الدولة التي تحمي وعيها ؛ تحمي حدودها دون أن تُستنزف.

ولهذا لا ينتهي النص بالصراخ، بل بالإعلان الهادئ الواثق: الصروح الراسخة لا تخشى العواصف ؛ لأن الإعصار -مهما علا -طارئ ، أمّا ما بُني على الوعي والشرعية والتاريخ، فباقٍ ؛ لأنه يعرف كيف يصمد!!