النهار
بقلم - الدكتور/ محمد الحقيب الغامدي
ظهرت في العقود الأخيرة نظرية نفسية عرفت باسم اليقظة الذهنية وهي من المفاهيم التي لاقت انتشارا واسعا في علم النفس والعلاج السلوكي المعاصر لما حققته من نتائج إيجابية في تهدئة القلق وخفض التوتر وتحسين جودة الحياة .
ويعود الأمر في بلورة هذا المفهوم بصورته العلمية الحديثة إلى الباحث الأمريكي ( جون كابات ) الذي عمل أستاذاً في مجال الطب السلوكي في جامعة
ماساتشوستس حيث أسس عام 1979 برنامجاً علاجياً عرف باسم خفض التوتر القائم على اليقظة الذهنية .
ومن خلال هذا البرنامج انطلقت الأبحاث الأكاديمية المنظمة التي جعلت من اليقظة الذهنية مفهوما علميا معتمدا في الجامعات والمستشفيات ثم انتقل بعدها إلى مدارس علم النفس المعرفي السلوكي .
وتقوم اليقظة الذهنية في جوهرها على توجيه الإنسان إلى الحضور الكامل في اللحظة الراهنة مع ملاحظة الأفكار والمشاعر والإحساسات الجسدية كما هي دون مقاومة أو إنكار ودون اندماج مفرط أو حكم قاس .
فالفكرة ليست في طرد المشاعر السلبية ولا في محاربتها بل في إدراكها بوعي هادئ ثم العودة إلى اللحظة الحالية بصفاء واتزان. وقد أثبتت الدراسات أن هذا النمط من الوعي يساعد على تقليل التوتر والقلق والاكتئاب ويعزز التوازن النفسي والانتباه الذهني .
غير أن المتأمل في خطاب الوحي يدرك أن هذا المعنى ليس وليد المختبرات الحديثة بل هو أصل راسخ في القرآن والسنة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام .
فالقرآن يلفت الإنسان إلى قيمة الحضور القلبي والانتباه الواعي وعدم الاستغراق في القلق والاضطراب .
يقول الله تعالى : ( ألاَ بِذْكْرِ اللهِ تَطْمئنَ القُلوبْ )
ويقول سبحانه : ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعً وهو شهيد )
فهاتان الآيتان ترسمان جوهر اليقظة الحقيقية .
طمأنينة تنبع من الذكر لا من الهروب وحضور للقلب لا مجرد نشاط ذهني .
القلب الحاضر هو الذي يتلقى المعنى بوعي وسكون وهو الذي يعيش اللحظة وهو متصل بالله لا منفصلا عنه .
وفي السنة النبوية تتجلى نماذج عملية عميقة للتهدئة النفسية وحضور القلب .
فمن كلماته الجامعة قوله صلى الله عليه وسلم : [ إنما الأعمال بالنيات ] .
وهو توجيه دقيق إلى أن قيمة العمل ليست في صورته الظاهرة بل في وعي القلب الذي يقف خلفه .
فالنية حضور وانتباه وتوجيه داخلي قبل أن تكون حركة خارجية .
ومن مواقفه العظيمة في التهدئة وبث الطمأنينة ما قاله لصاحبه في أشد لحظات الخوف والقلق وهما في الغار
( لا تحزن إن الله معنا )
فهي جملة قصيرة لكنها تحمل أعلى درجات اليقظة القلبية حيث يتحول الخوف إلى سكون والاضطراب إلى يقين لمجرد استحضار معية الله في اللحظة الحرجة .
وفي عبادات الإسلام تتجسد اليقظة بأوضح صورها فالصلاة حضور كامل بين يدي الله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلمة: [ إذا قام أحدكم في الصلاة فإنما يناجي ربه
والمناجاة لا تكون مع غفلة ولا مع قلب شارد بل مع وعي وخشوع وسكون داخلي . والذكر يعيد الإنسان من تشتيت الدنيا إلى مركز الطمأنينة ويوقظ القلب كلما غفلز.
والصيام تدريب عملي على الوعي وضبط الدوافع حيث يشعر الإنسان بالجوع والعطش لكنه يتعامل معهما بإدراك واحتساب لا بردة فعل غريزية .
والفرق الجوهري بين اليقظة الذهنية في صورتها الغربية واليقظة في الإسلام أن الأولى غالبا ما تقف عند حدود تحسين الإنسان لنفسه وتهدئة توتره النفسي .
بينما تمتد الثانية إلى ما هو أعمق من ذلك إذ تربط الوعي بالله وتحوّل الحضور إلى خشية والإدراك إلى عبادة والطمأنينة إلى سلوك مستقيم . فهي يقظة تهذب القلب وتصلح العمل وتعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالحياة .
وخلاصة القول أن ما أعاد العلم الحديث اكتشافه بلغة التجربة والمختبر قد سبق إليه الوحي بلغة الفطرة والتزكية .
الفكرة واحدة في أصلها لكن الوجهة مختلفة .
فهناك يقظة تهدّئ الإنسان وهنا يقظة تهَدِيه.
وما كان مرتبطا بالله بقي أثره أعمق وأبقى لأنه لا يعالج القلق وحده بل يعالج معنى الحياة من جذوره .
والله ولي التوفيق ،،،