النهار

٠٢ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ يناير-٢٠٢٦       9350

بقلم - علي بن عيضة المالكي

أصبحت  وسائل التواصل الاجتماعي  جزءًا أصيلاً من حياتنا اليومية، وتحولت من أدوات للتعارف وتبادل الأخبار إلى منصات تعيد تشكيل طبيعة العلاقات الإنسانية إيجابًا وسلبًا.

فالتأثيرات الإيجابية التي جلبتها معها وسائل التواصل أنها ساهمت في تقليص المسافات الجغرافية ، فقربت بين الأصدقاء والعائلات رغم تباعد الأمكنة، كما أنها أتاحت الحفاظ على الروابط القديمة وأحيت معها علاقات كانت مهددة بالانقطاع، أيضا منحت الأفراد مساحة للتعبير عن آرائهم ومشاعرهم ، وساعدت البعض منهم ممن يلازمه الخجل أقول ساعدت الخجولين على بناء جسور تواصل لم تكن متاحة لهم في الواقع المباشر، إضافة إلى ذلك ، أسهمت في تكوين مجتمعات افتراضية قائمة على الاهتمامات المشتركة ، مما عزز الإحساس بالانتماء والدعم النفسي لدى كثيرين.

في المقابل هناك تأثيرات سلبية سحبتها معها، فأدى كثافة الاستخدام إلى تراجع عمق العلاقات الواقعية، حيث حل التفاعل السريع محل الحوار الحقيقي، فأصبح الإعجاب بديلاً عن الاهتمام الصادق، كما طغت ثقافة المقارنة فدفعت بعض الأفراد إلى الشعور بالنقص أو العزلة عند قياس حياتهم بما يُعرض من صور مثالية ومنتقاه.

ومن آثارها أيضا: ضعف مهارات التواصل البصري (المواجهة واجهًا لوجه) وتزايد سوء الفهم نتيجة غياب لغة الجسد ونبرة الصوت فضلاً عن الإدمان الرقمي الذي بات يسرق الوقت المخصص للأسرة والأصدقاء، فتحولت المجالس داخل الأسرة الواحدة من مساحات حوار إلى تجمعات صامتة تحكمها شاشات الأجهزة ، نعم هناك اجتماع للأجساد لكن الأرواح متفرقة ، حيث ينشغل كل فرد بعالمه الرقمي الخاص.

هذا الانفصال الهادئ أضعف الحوار الأسري، وقلل من فرص نقل القيم والخبرات بين الأجيال.

ثم إن التحول في مفهوم العلاقة جعل من وسائل التواصل تُغير مفهوم الصداقة والخصوصية، فأصبح عدد المتابعين معيارًا اجتماعيًا لدى البعض ، وتداخل العام بالخاص ، مما أضعف الحدود النفسية وأثر في الصدق والعمق العاطفي للعلاقات.

كما أن تأثيرها السلبي امتد ليشمل الأثر النفسي والعاطفي ، حيث أسهم ذلك في رفع مستوى القلق الاجتماعي والخوف من فقدان الاتصال بالشبكات والتطبيقات، كأن يقاس الاهتمام بسرعة الرد أو يفسر الغياب المؤقت بوصفه إهمالاً.

هذا الارتباط العاطفي بالمنصات خلق هشاشة شعورية جعلت بعض العلاقات رهينة التفاعل الافتراضي لا المودة الحقيقية، كما أن الاعتياد على التواصل الدائم والاعتياد عليه أضعف الصبر اللازم لفهم الآخر في واقعه  الإنساني المركب.

اعلم رحمك الله أن المشكلة لا تكمن في وسائل التواصل ذاتها ، إنما في طريقة استخدامها.

فحين تُدار بوعي تكون أداة تواصل وبناء جيدة ، أما عندما تترك بلا ضوابط ، تتحول تلقائيًا إلى سبب للتباعد والفراغ العاطفي.

إن استعادة التوازن الصحي بين العالم الرقمي والعالم الواقعي ، وتقديم العلاقات الحقيقية على الافتراضية ، هو السبيل للحفاظ على إنسانية العلاقات في عصر الشاشات، والمحافظة على هوية الفرد من الانسلاخ ، ثم إعادة بنائها بصورة ملموسة، ذات بعد حقيقي غير مزيف قائم على الاتساق بين التوقع والواقع.

خلاصة القول:

إن وسائل التواصل لم تلغ العلاقات بشكل مطلق ، لكنها أعادت صياغتها وفق إيقاع أسرع وعمق أقل في غالب الأوقات .

علينا أن ندرك أن هناك تحدي حقيقي وهذا التحدي لا يكمن في مقاومة التطور ، لكنه ينحصر في ضرورة تهذيب استخدام التقنية ، وإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية التي تجعل من العلاقة معنى وليس مجرد تفاعل باهت.

إذن  وسائل التواصل الاجتماعي  سلاح ذو حدين ، إما أن تكون جسرًا يقرب القلوب ، أو جدارًا يعزلها ، والاختيار في النهاية بيد الإنسان ووعيه.