النهار

٣٠ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ ديسمبر-٢٠٢٥       11495

بقلم - عبدالله الكناني 
تثبت المملكة العربية السعودية، في كل محطة إقليمية حساسة، أنها دولة تُحسن قراءة المشهد، وتُحسن إدارة التوازن بين الحكمة والحزم، وبين ضبط النفس وحماية السيادة.
فالبيان الصادر عن وزارة الخارجية السعودية لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل رسالة دولة تعرف ما تريد، وتدرك خطورة ما يجري حولها، وتتحرك وفق رؤية استراتيجية تحمي أمنها وتدعم استقرار محيطها.

لقد عبّرت المملكة بوضوح عن أسفها للتصعيد الذي شهدته محافظتا حضرموت والمهرة، مؤكدة أن أي تحركات عسكرية على حدودها الجنوبية تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني، وخطوة بالغة الخطورة لا تخدم أمن اليمن ولا استقرار المنطقة، ولا تنسجم مع الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية في اليمن.

وفي السياق ذاته، جاء بيان سمو وزير الدفاع قبل أيام ليؤكد ثوابت السياسة السعودية تجاه اليمن، وعلى رأسها حماية أمن المملكة، ودعم الشرعية اليمنية، ورفض أي ممارسات عسكرية أو تصعيدية تخرج عن إطار الأهداف التي أُسس من أجلها التحالف. 
وهو تأكيد يعكس وحدة الموقف داخل مؤسسات الدولة، وانسجام الرؤية السياسية والعسكرية تجاه ما يمس الأمن الوطني.

كما عزز المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف* (تحالف دعم الشرعية في اليمن) هذا التوجه من خلال بيانات واضحة، شدد فيها على أن تحركات التحالف تنطلق من طلب الحكومة الشرعية، وتهدف إلى حماية المدنيين، وخفض التصعيد، ومنع اتساع رقعة الصراع، مع رفض أي أعمال عسكرية غير منسقة تهدد أمن المملكة أو تقوض استقرار اليمن.

وفي تأكيد إضافي على هذا النهج المتكامل، تناول مجلس الوزراء السعودي، برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – مستجدات الأوضاع الإقليمية، مجددًا التأكيد على أن المملكة لن تتردد في اتخاذ كافة الخطوات والإجراءات اللازمة لمواجهة أي مساس أو تهديد لأمنها الوطني، وعلى التزامها الثابت بأمن اليمن واستقراره وسيادته، ودعمها الكامل لمجلس القيادة الرئاسي اليمني وحكومته الشرعية. 
كما قدّر المجلس دور تحالف دعم الشرعية في حماية المدنيين، وخفض التصعيد، ومنع اتساع دائرة الصراع، معربًا عن أسفه لما آلت إليه جهود التهدئة التي قوبلت بتصعيد غير مبرر.

وفي الوقت الذي شددت فيه المملكة على أن أمنها الوطني خط أحمر، لم تتخلَّ عن لغتها المتزنة، ولا عن دعوتها الصادقة للحلول السياسية. 
فموقفها من القضية الجنوبية كان واضحًا وعادلًا؛ قضية تُقرّ المملكة بعدالتها، لكنها تؤكد أن طريق حلها الوحيد هو الحوار السياسي الشامل، لا فرض الوقائع بالقوة، ولا الزج باليمن في مسارات تصعيدية جديدة.

وتتقاطع هذه الرؤية مع بيانات الحكومة الشرعية اليمنية، التي أكدت مرارًا رفضها لأي تحركات عسكرية خارج إطار الدولة، وتمسكها بسيادة اليمن ووحدة قراره، وتقديرها لمواقف المملكة الداعمة لأمن اليمن واستقراره، وحرصها على عدم تحويل أراضيه إلى ساحة صراع إقليمي.

إن مطالبة المملكة بخروج القوات الإماراتية من اليمن، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل البلاد، تأتي في سياق الحرص على استعادة مسار التهدئة، ومنع انزلاق الأوضاع نحو صراع أوسع، وحماية اليمن من مزيد من التشرذم، وحماية المنطقة من تداعيات لا يمكن احتواؤها لاحقًا*.

وما بين التحذير والدعوة، تؤكد المملكة مرة أخرى أنها ركيزة الاستقرار في محيط مضطرب، وصوت العقل حين تعلو أصوات السلاح، لكنها – في الوقت ذاته – دولة لا تقبل المساس بأمنها، ولا تتردد في اتخاذ ما يلزم لحمايته.

إنه موقف يجمع الحلم والحنكة، ويجسد سياسة سعودية ثابتة: حكمةٌ لا تعني التهاون، وعقلانيةٌ لا تُلغي الحزم، وأمنٌ وطنيٌ… لا يقبل المساومة.