النهار
بقلم - د. عبدالرحمن عبدالحميد السميري
رحل الأستاذ أحمد عبدالرحمن الخريصي، ولم يكن رحيله خبرًا عابرًا، بل هزّ المنطقة وكل مكانٍ وطأته قدماه. وبفقده لم تفقده أسرته الكريمة وأبناؤه وبناته وأحباؤه فحسب، بل فقده كل من عرفه وعاصره من شيوخ قبائل وأعيان، ورجال ونساء؛ فكان العزاء متبادلاً بينهم وكأنهم فقدوا فقيدهم جميعًا.
لقد ترك بصمةً لا تُنسى؛ فهناك من يرحل كعابر سبيل، وهناك من يمرّ كالغيث أينما وقع نفع… وهكذا كان.
يا عم أحمد… رحلت، وبقيت في كل زاويةٍ بصمتك، من جودك وطيب أصلك. كنت قائدًا وإداريًا وإنسانًا استثنائيًا، جمعت بين الحزم والرحمة، وبين العطاء والعمل بلا مقابل.
إذا طُرق بابك فُتح، وإذا أتاك صاحب مظلمة وقفت إلى جانبه حتى يستقيم حاله، وإذا قصدك صاحب حاجة قُضيت حاجته بصمت، بلا منّة، ولا حبٍّ لذكر ذلك.
عشت كريم الخلق، واسع العطاء، صادق الحضور، نقيّ السريرة. قضيت أكثر من أربعين عامًا في خدمة الوطن من خلال موقعك الإداري بصفتك وكيلًا لإمارة المنطقة، عاصرت أمراء المناطق وكنت لهم الرجل الأمين، ثم بعد تقاعدك بقيت المستشار الحكيم. كنت تُقرّب ولا تُبعد، وتعالج الموقف قبل الطلب، وتُكرم دون انتظار مقابل، وتسعى لإصلاح ذات البين في صمتٍ يليق بالكبار.
لا أنسى مواقفك معي، ولا ينساها كل من ساندته، أو وقفت بجانبه، أو قدّمت له شفاعةً ليستقيم حاله.
يا عم أحمد… لم يكن الفقد غيابًا فحسب، بل امتحانًا للصبر، وتذكيرًا بأن الطيبين يمرّون خفيفين، ويتركون ثِقلهم محبةً وذكرى. لقد تركت في النفوس حزنًا، وفي القلوب مساحةً لا يملؤها إلا الدعاء.
نسأل الله أن يجعل ما قدمته للوطن والمواطن في ميزان حسناتك، شاهدًا لك لا عليك، وأن يتغمدك بواسع رحمته، ويغفر لك ولنا ولوالدينا ولجميع أموات المسلمين.
وعظّم الله أجر أهلك ومحبيك، وألهمهم الصبر والسلوان.