النهار
الدكتور/ محمد الحقيب الغامدي
في منتصف القرن العشرين ظهر عالم النفس الأمريكي Abraham Maslow بوصفه أحد روّاد المدرسة الإنسانية في علم النفس وهي مدرسة تنظر إلى الإنسان ككائن حي يسعى للنمو والاكتمال لا مجرد مخلوق تحركه الغرائز أو تضبطه السلوكيات .
ومن هنا قدّم ماسلو ما عُرف بـنظرية التسلسل الهرمي للاحتياجات التي حاول من خلالها فهم الدوافع الإنسانية بطريقة أقرب للواقع وأعمق في المعنى .
يقوم مفهوم هذه النظرية على أن الإنسان لا يتحرك عشوائياً بل يسير وفق ترتيب فطري في حاجاته .
فيبدأ بالحاجات الأساسية من طعام وشراب ونوم ثم ينتقل إلى الأمان والاستقرار .
فإذا شعر بالأمان طلب الانتماء والمودة والعلاقات ثم سعى إلى التقدير وتحقيق المكانة .
حتى يصل في قمّة الهرم إلى تحقيق الذات أي أن يعيش الإنسان إمكاناته كاملة ويؤدي رسالته في الحياة .
هذه الرؤية العلمية حين تُقرأ في ضوء الإسلام نجدها قريبة من الفطرة التي قررها الوحي
فالإسلام لم يهمل الجسد . فأوجب الطعام والراحة وحفظ النفس .
ولم يغفل الأمان فجعل حفظ الدين والنفس والعقل والمال من مقاصده العظمى .
ثم رسّخ قيمة الجماعة والألفة فقال النبي ﷺ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا .
ورفع قدر الإنسان بالتكريم فقال ولقد كرمنا بني آدم
ثم فتح له أفق السمو حين جعله خليفة في الأرض ومسؤولاً عن عمارتها .
وفي سيرة النبي ﷺ نرى هذا التوازن واضحاً .
فقد ربّى الإنسان جسداً وروحاً وعقلاً .
فلم يكن الزهد إهمالاً ولا العبادة انفصالاً عن الحياة .
بل كان السعي في الأرض عبادة والارتقاء بالنفس قربة .
إن هرم ماسلو في جوهره محاولة لفهم الفطرة .
والإسلام جاء ليهذب هذه الفطرة ويوجهها ويمنحها المعنى الأعلى .
فكل صعود في احتياج الإنسان إذا ارتبط بالإيمان تحوّل من مطلب دنيوي إلى عبادة خالدة
وهكذا يلتقي العلم الصادق مع الوحي .
حين يكون الإنسان هو الإنسان
قلب يحتاج غذاء .
وحياة لا تستقيم إلا حين تعرف طريقها إلى الله .