النهار
بقلم _ عبدالمحسن بن محمَّد الحارثي
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسن»،
وحين تُقاس القيم بما يُحسن الرجال تقديمه لأوطانهم ومجتمعاتهم ؛ فإن جلعود بن دخيِّل يقدّم نموذجًا لرجلٍ لم يجعل من التقاعد نهاية، بل بداية أوسع لأفقٍ جديد من العطاء.
فبعد مسيرةٍ عسكريةٍ اتسمت بالانضباط والالتزام ؛ انتقل جلعود بن دخيِّل إلى ميادين الفكر والإعلام والعمل المجتمعي، محتفظًا بروح الجندية، ومضيفًا إليها وعي المفكّر ومسؤولية الكلمة. وكما قال ابن خلدون:
«العمران لا يقوم إلا بالعقل قبل السيف»،
فقد أدرك أن بناء الوعي لا يقل شأنًا عن حماية الأرض.
وبرز اسمه ككاتبٍ ومفكّرٍ وإعلامي، تُوِّجت جهوده بتأسيس موسوعة كيوبيديا، وهي مشروع معرفي توثيقي يُعنى بالإنسان والمكان، ويهدف إلى حفظ الذاكرة الوطنية وتقديم المحتوى برؤيةٍ متزنة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة..فالتراث – كما قال حمد الجاسر – «ليس أطلالًا نبكيها، بل جذورًا ننهض بها».
وفي الشأن المجتمعي ؛ عُرف جلعود بن دخيِّل بموقفه الواضح والناقد لظاهرة المتاجرة بالدماء، تلك التي تُفرغ الصلح من معناه الإنساني، وتحوله إلى سوقٍ للمزايدات، تُفرض فيه دياتٌ فاحشة تُثقل كاهل المجتمع، وتشوّه مقاصد العدل..وقد انطلق موقفه من وعيٍ عميق بمكامن الخطر، وإيمانٍ بأن العدالة إذا حُصرت في المال، ضاع معناها.
ويستدعي هذا الموقف قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«إنما تُقاس الأمور بعواقبها».
ومن هذا المنطلق ؛ قدّم جلعود بن دخيِّل مبادرة مسؤولة للحد من هذه الظاهرة، وطرحها على أمير منطقة عسير، في خطوة تعكس شجاعة الرأي، وحكمة الطرح، وإيمانًا بأن معالجة القضايا الحساسة لا تكون بالصمت، بل بالمبادرات المؤسسية الواعية. وكما قال الفيلسوف سينيكا:
«ليس الشجاع من يواجه الخطر، بل من يواجه الخطأ».
أما حضوره الإعلامي ؛ فقد تجلّى في العديد من اللقاءات التلفزيونية التي تناولت الموروث الشعبي السعودي، حيث قدّم قراءة عميقة للعادات والتقاليد، وربطها بجذورها التاريخية وتحولاتها الاجتماعية، متحدثًا بلسان الخبير المتزن، لا الباحث المتعالي. وقد لخّص مالك بن نبي هذه المعادلة بقوله:
«التراث لا يعيش إلا إذا وجد عقلًا يحسن فهمه».
وفي إطار اهتمامه بالسياحة الثقافية والتراثية والأثرية؛ قام جلعود بن دخيِّل بعددٍ من الزيارات الميدانية لمناطق المملكة برفقة فريقه الإعلامي، حوّل فيها المكان إلى نصٍّ مفتوح، والرحلة إلى فعل معرفة. وكانت زيارته الأخيرة للمنطقة الشرقية محطةً مهمة أضاءت جانبًا من ثراء هذه المنطقة وتنوّعها الحضاري، مصداقًا لقول الرحالة العرب:
«من عرف الأرض، عرف أهلها».
وعلى الصعيد التأليفي، للكاتب جلعود بن دخيِّل خمسة مؤلفات في مجالات الفكر والتوثيق والموروث، وهي أعمال تُراكم المعرفة بهدوء، ولا تبحث عن الضجيج..وقد صدق أبو حيّان التوحيدي حين قال:
«الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب».
إن جلعود بن دخيِّل يمثّل نموذجًا للرجل الذي اختار أن يكون صوت العقل في زمن الصخب، وأن يمارس الوعي بوصفه فعلًا لا شعارًا، مؤمنًا بأن للعطاء بقية، وبأن خدمة الوطن تستمر ما دام في الفكر متّسع، وفي الضمير حياة.
وكما قال أحد الحكماء:
"الأثر هو ما يبقى حين يهدأ التصفيق"
وذلك هو جوهر هذه السيرة!!