النهار
بقلم - نوره محمد بابعير
لا يدخل القارئ إلى معرض الكتاب بصفته زائرًا عابرًا، بل يدخل وهو يحمل عينًا مختلفة، عينًا تلتقط ما لا يُقال، وتقرأ ما يتجاوز العناوين والأرفف. فالأجواء الثقافية في معارض الكتاب لا تؤثر في القارئ بوصفها مساحة عرض، بل بوصفها تجربة ذهنية تُعيد تشكيل العقل بمنطقٍ مغاير، وتفتح أمامه مسارات تحليلية تتجاوز القراءة التقليدية.
في معرض جدة للكتاب، تتقاطع الثقافات بتنوّعها، وتفيض المعرفة بغزارتها، ليجد القارئ نفسه أمام مشهدٍ واسع لا يفرض عليه اتجاهًا محددًا، بل يمنحه حرية الاكتشاف. هنا لا يرى القارئ المعرض كمكانٍ للكتب فقط، بل كمساحة مكتبة مفتوحة، يقرأ فيها الوعي بكل اتجاهاته، ويعيد ترتيب علاقته بالفكرة، والمعنى، والاختيار.
وحين تتحول هذه التجربة إلى سلوك، يبدأ القارئ في بناء تفكير ناقد، يبرز من خلاله وعيه المعرفي، وينمو لديه سلوك ثقافي يتجاوز لحظة القراءة إلى أسلوب حياة. فالمسألة لا تتوقف عند اقتناء كتاب أو التوقف أمام رف، بل تتسع لتمنح الإنسان فرصة التعرّف على ثقافات جديدة، يكتسبها، ثم تنمو آثارها عليه بهدوء، ليخرج من المعرض وقد بلغ حدًّا من الإشباع الثقافي، سدّ احتياجه، ووسّع أفقه.
للقارئ في المعرض رؤية متعددة الزوايا؛ ذلك الصامت الذي لا يُصدر صوتًا، لكنه يدرك أن الهدوء في تلك الاقتناءات هو الجزء الأهم في اختياراته. يرافق كتبه وكأنها امتداد لوعيه، ويمنح للسرد قيمة الأثر، بينما القارئ المنصت يبحث عن أفواهٍ تسرد، وحواراتٍ تصقل وعيه. أما الراغب في التعلّم، فيرى أن التجربة بذاتها هي الأقوى بقاءً وتأثيرًا، لأنها تُمارس لا تُلقّن.
والأهم من كل ذلك، أن القارئ وحده هو من يملك الشعور الذي يميّز نظرته إلى معرض جدة للكتاب؛ منظور ثقافي يحمل في طيّاته حكايات امتلأت بالتجارب، وتشكّلت عبر محطاتٍ من الأسئلة والبحث والاختيار. فالمعرض، في عين القارئ، ليس حدثًا عابرًا، بل مساحة يعيد فيها الإنسان اكتشاف ذاته، ويغادرها وهو أكثر امتلاءً، وأكثر وعيًا، وأقرب إلى ثقافة اختارها لتكون جزءًا من حياته، لا مجرد ذكرى عابرة على رفوف الذاكرة