النهار

١٠ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ ديسمبر-٢٠٢٥       17050

بقلم ـ أ . خديجة أحمد سعد الغامدي

طالبة دراسات عليا - جامعة الباحة 

 شهدت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا في مفهوم العطاء والعمل الخيري، حيث انتقلت ثقافة المنح من شكلها التقليدي القائم على المبادرات الفردية والجهود العاطفية إلى إطار مؤسسي واضح يعتمد على التخطيط والحوكمة وتحقيق الأثر. 

      إن هذا التحول لم يكن عابرًا، بل جاء منسجمًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت القطاع غير الربحي دورًا جوهريًا في التنمية المستدامة، واعتبرته رافدًا اقتصاديًا واجتماعيًا لا يقل أهمية عن باقي القطاعات الحيوية.

 

      فتمتزالنقلة النوعية من العطاء التقليدي إلى التمويل الاستراتيجي ، بعد أن كان في المراحل السابقة، تعتمد ثقافة المنح على نمط “العطاء الفوري”؛ عبارة عن دعم مباشر لمحتاج أو مشروع دون أدوات قياس أو خطط طويلة المدى. كان العطاء محمودًا، لكنه يفتقر للمنهجية، مما يقلل من تراكم الأثر على المجتمع.

 

     ومع بدء تنفيذ برامج رؤية 2030، تغيّر السياق؛ إذ ظهر الميل نحو المؤسسة والتنظيم، وبرز دور المنصات الوطنية مثل إحسان وتبرع وغيرهما التي وفّرت بيئة رقمية شفافة تُمكّن المانحين من متابعة أثر المنحة بصورة دقيقة، وهو ما أعاد الثقة ووسّع قاعدة المشاركة المجتمعية.

 

وبموازاة الرقمنة، أسهم إنشاء المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في رفع معايير الحوكمة داخل الجهات المانحة والجهات المستفيدة، مع إدخال مفاهيم مثل: 

 

الأثر الاجتماعي، التمويل القائم على النتائج، وقياس الكفاءة التشغيلية. وهنا انتقلت المنحة من مجرد “مساعدة” إلى استثمار اجتماعي موجّه.

 

فرؤية 2030 أصبحت إطاراً عملياً سرّع التغيير

فلم تقتصر رؤية 2030 على رسم طموحات؛ بل قدمت أدوات تنفيذية واضحة أحدثت تحولاً سريعًا في بيئة المنح.

وأبرز ما قدّمته الرؤية لهذا المجال:

 

1. أهداف كمية واضحة

تضمّن وثيقة الرؤية هدفًا برفع مساهمة القطاع غير الربحي إلى 5% من الناتج المحلي. 

إن هذا التحديد الرقمي خلق حراكًا لدى الجهات المانحة لتوجيه مواردها نحو مشروعات ذات أثر اقتصادي واجتماعي، بدل توزيع الجهود على مبادرات متناثرة.

2. إطار تنظيمي محكم

من خلال لوائح وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وتفعيل دور المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، إذ أصبحت عمليات المنح أكثر انضباطًا، مع اشتراطات تتعلق بالحوكمة، والتقارير، وآليات التأهيل. نتج عن ذلك بيئة تمويل أكثر مصداقية ومهنية.

3. تمكين رقمي واسع

عبر المنصات الوطنية وعلى رأسها "منصة إحسان " فقد ساهمت في تجميع مليارات الريالات، مع عرضٍ شفاف لمشروعات الجمعيات ومؤشرات إنجازها. 

فالرقمنة خفّضت تكلفة العمليات ورفعت كفاءة التوزيع، وجعلت العطاء عملية يمكن قياسها ومتابعتها في أي وقت.

4. تعزيز الامتثال والشفافية

تشريعات مكافحة غسل الأموال، ومتطلبات التقارير السنوية، ومعايير المحاسبة عززت ثقة الجهات المانحة بأن أموالها تُدار وفق قواعد مؤسسية واضحة. وهذا مكسب كبير لم يكن متحققًا بذات القوة قبل 2030.

5. تحفيز أدوات التمويل الجديدة فقد دعمت رؤية 2030 صعود:

الصناديق الوقفية الاستثمارية ،و المنح المبنية على النتائج، ومزج التمويل 

وهي أدوات تعزّز الاستدامة وتجعل المنح أكثر قدرة على خلق أثر طويل المدى.

 

وعليه فإن أثر رؤية 2030 في تشكيل ثقافة منح أكثر وعيًا ونضجًا

إحدى أعظم نتائج الرؤية فقد قامت بتغيير نظرة المجتمع والمنظمات للمنح. 

حتى أصبحت الثقافة الجديدة قائمة على الآتي :

 

 -المنح المبنية على الاحتياج الحقيقي من خلال قواعد بيانات ومؤشرات وطنية.

 -المنح التعاونية بين الجهات المانحة، والذي يقلل الهدر ويرفع قيمة الأثر.

 -المنح القابلة للقياس باستخدام تقارير الأداء ومؤشرات القياس.

 -المنح المستدامة التي تدعم التدريب، والتمكين الاقتصادي، والمشاريع المنتجة.

 -المنح المرتبطة بالأولويات الوطنية مثل التحول الرقمي، تمكين المرأة، وتنمية المناطق.

وبذلك أصبحت المنح أداة لتحقيق مستهدفات الرؤية، وليست مجرد مبادرة خيرية معزولة .

 

خاتمة

 

      لقد أثبتت رؤية المملكة 2030 أن تطوير ثقافة المنح ليس خيارًا بل ضرورة لبناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر وقطاع غير ربحي متقدم. ومع التحول نحو المنح الاستراتيجي والتمكين المؤسسي والحوكمة والقياس، أصبحت المملكة العربية السعودية أنموذجًا إقليميًا في إدارة المنح بذكاء وتأثير واستدامة. وما يحدث اليوم هو بداية مرحلة جديدة؛ مرحلة تتجه فيها المنح لتكون شريكًا أساسيًا في التنمية، وقوة فاعلة في تشكيل مستقبل القطاع غير الربحي لعقود قادمة.