النهار السعودية - امتنان الغامدي - العنود القثانين - روان المطيري - ريماس العنزي - فاطمة الشريف - نوف السهلي
في إطار دور صحيفة "النهار" السعودية في التعاون والتدريب والتشجيع لكوادر المستقبل من الإعلاميين والإعلاميات، نستعرض نتائج مشروع جماعي لطالبات جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، من مقرر صحافة البيانات، والذي يحمل عنوان "المرض الرقمي".
ويتناول المشروع بصورة مبسّطة وتحليلية ظاهرة المرض الرقمي، من خلال رصد بيانات حقيقية وإعداد رسوم بيانية توضّح تأثير الاستخدام المفرط للتقنية على الصحة النفسية والجسدية، إضافة إلى أبرز النتائج والتوصيات.
تفاصيل المشروع
مع الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية ظهر ما يُعرف بـ الأمراض الرقمية، وهي مجموعة من الاضطرابات النفسية والجسدية والسلوكية الناتجة عن الاستخدام المفرط للأجهزة والتطبيقات الحديثة، مثل الهواتف الذكية والإنترنت والألعاب الإلكترونية.
ويُعد إدمان الهواتف الذكية أبرز هذه الأنماط، حيث يقضي المستخدمون ساعات طويلة في التحقق من الإشعارات والتصفح العشوائي، مما يؤثر في النوم ويولّد القلق والتوتر عند الابتعاد عن الهاتف.
ويظهر كذلك إدمان وسائل التواصل الاجتماعي عبر الاستخدام المفرط لتطبيقات مثل إنستغرام وتيك توك، والسعي وراء الإعجابات والتفاعل، مما يعزز المقارنة بالآخرين ويؤدي إلى شعور بالنقص.
ويمتد الأمر إلى إدمان الألعاب الإلكترونية الذي يدفع بعض المستخدمين إلى الانغماس في اللعب لساعات طويلة على حساب النوم والدراسة والعمل، فتضعف العلاقات الواقعية وتضطرب إدارة الوقت.
كما يُلاحظ إدمان الإنترنت العام عند تحوّل التصفح إلى عادة بلا هدف تهدف للهروب من الضغوط، بالإضافة إلى إدمان التسوق الإلكتروني الذي يقود إلى شراء متكرر غير ضروري ينتج عنه مشكلات مالية وشعور بالذنب.
أما إدمان العمل الرقمي فيظهر لدى الموظفين الذين يظلون متصلين دائمًا ببرامج العمل والبريد الإلكتروني، ما يؤدي إلى إرهاق ذهني وصعوبة في موازنة الحياة المهنية والشخصية.
ولا يقل خطورة إدمان مشاهدة المحتوى، خاصة الفيديو القصير والمسلسلات، حيث يقضي المستخدم ساعات طويلة على حساب النوم والتواصل الاجتماعي.
وتنعكس هذه السلوكيات على الصحة الجسدية، حيث تظهر آلام الرقبة والظهر نتيجة الجلوس الطويل، وإجهاد العين وجفافها بسبب التعرض المستمر للضوء الأزرق، إضافة إلى اضطرابات النوم والصداع المزمن وزيادة الوزن بسبب قلة الحركة.
أما الآثار النفسية فتشمل القلق، التوتر، أعراض الاكتئاب، العزلة الاجتماعية، وضعف التركيز والانتباه، ما يؤثر بشكل مباشر على المزاج والاستقرار العاطفي وجودة الحياة.
ولمواجهة هذه الظواهر، برزت مجموعة من البدائل الوقائية التي تساعد على تحقيق توازن صحي في الحياة الرقمية، ومنها تطبيق تقنيات إدارة الوقت مثل تقنية Pomodoro التي تعزز الإنتاجية وتوفر فترات منتظمة للراحة، وتخصيص أوقات محددة لمتابعة البريد الإلكتروني ووسائل التواصل.
كما يُنصح ببناء روتين يومي متوازن يدمج النشاط البدني والقراءة والتأمل، وتوسيع دائرة العلاقات الاجتماعية الواقعية عبر الأنشطة الجماعية.
ويسهم تدريب الذات على اليقظة الذهنية والوعي بالسلوك الرقمي في التعرف على الآثار السلبية للاستخدام المفرط، إلى جانب الاستفادة من تطبيقات الصحة النفسية والتأمل، وإجراء تقييمات دورية لاستخدام الأجهزة.
وتظهر نتائج الدراسات أن الشباب السعودي يقضون ما بين 7 و10 ساعات يوميًا على الإنترنت، وأن المنصات الترفيهية – وخاصة الفيديو القصير – تمثل الدافع الأساسي لسلوكيات الإدمان، مع وجود ضغط اجتماعي يجعل الاستخدام المفرط مقبولًا بين الأقران.
وتشير البيانات إلى ضرورة رفع الوعي بالرفاهية الرقمية، وتنفيذ حملات تستهدف مستخدمي تطبيقات مثل تيك توك وسناب شات، وتشجيع الأنشطة البديلة غير المرتبطة بالشاشات.
ومع توسع التحول الرقمي، برزت ظواهر نفسية ومعرفية جديدة تتجاوز مفهوم الإدمان التقليدي، ومنها الضغوط الرقمية (Digital Stress) الناتجة عن التعرض المتكرر للإشعارات والتنبيهات، وهو ما يرفع مستويات التوتر ويقلل القدرة على الانفصال الذهني.
كما أصبح التشتت الرقمي (Digital Distraction) من أبرز تحديات العصر، حيث يؤدي التنقل السريع بين التطبيقات إلى إضعاف التركيز العميق وانخفاض الإنتاجية وتراجع المعالجة المعرفية، بينما يحدّ المحتوى السريع والسطحي من القدرة على التفكير النقدي وصنع القرار.
ويُعد الإنهاك المعلوماتي (Information Overload) أحد أهم مظاهر البيئة الرقمية الحديثة، حيث تفرض وفرة المحتوى عبئًا معرفيًا يرهق الدماغ ويقلل من قدرته على التمييز بين المعلومات الدقيقة والمضللة.
ويتسبب ذلك في التبلّد المعلوماتي الذي يؤدي إلى انخفاض حساسية الدماغ تجاه المحتوى المهم. وعلى المستوى الاجتماعي، أسهم التواصل الرقمي في تراجع جودة التفاعل الوجهي، ما أثر على مهارات التعبير والتواصل غير اللفظي، وأدى إلى علاقات اجتماعية أقل عمقًا.
كما ظهرت الهوية الرقمية الهشّة لدى الشباب الذين يسعون إلى تقديم صورة مثالية عن الذات على المنصات، مما يخلق فجوة بين الهوية الحقيقية والافتراضية، ويؤثر على تقدير الذات.
وتتناول الدراسات كذلك التأثيرات المعرفية طويلة المدى للاستخدام المكثّف، ومنها انخفاض الاعتماد على الذاكرة الطبيعية بسبب الاعتماد على الذاكرة الرقمية، وضعف الانضباط الذاتي نتيجة أنظمة المكافآت الفورية في التطبيقات، مما يعزز السلوكيات الاندفاعية.
ولا تقتصر هذه الظواهر على فئة عمرية واحدة؛ فالأطفال يظهرون سلوكيات شبيهة باضطرابات فرط الحركة وتشتت الانتباه نتيجة التعرض المبكر للشاشات، بينما يعاني البالغون من الإرهاق التقني (Tech Fatigue) المرتبط بالعمل عن بُعد والاجتماعات الافتراضية.
وعلى المستوى المجتمعي، عزز الاستخدام المكثف للمنصات الرقمية ثقافة المقارنة المستندة إلى أعداد المتابعين والتفاعلات بوصفها مؤشرات للنجاح الاجتماعي، مما يزيد الضغوط النفسية والشعور بعدم الكفاية.
وتؤكد الاتجاهات الحديثة أن مواجهة هذه الظواهر لا تتعلق فقط بتقليص وقت الشاشة، بل تتطلب إعادة بناء العلاقة مع التكنولوجيا عبر تعزيز المهارات الرقمية الواعية والقدرة على تقييم المحتوى، وتبني أنماط استخدام قائمة على التركيز والانضباط المعرفي، إضافة إلى تصميم بيئات رقمية متوازنة تشمل تقليل الإشعارات وتفعيل الرقابة الأبوية ودمج الرفاهية الرقمية ضمن البرامج التعليمية.
يتضح أن المرض الرقمي لم يعد ظاهرة بسيطة، بل تحديًا يؤثر على الصحة النفسية والجسدية والعلاقات الاجتماعية.
ومع تنوع أشكاله، تبرز الحاجة إلى وعي ذاتي وتنظيم للاستخدام وتبنّي بدائل صحية تُحقق توازنًا بين الحياة الواقعية والرقمية.
وفي النهاية، يظل الاستخدام الواعي للتقنية هو السبيل للاستفادة منها دون الانجراف إلى مخاطرها، بما يضمن حياة رقمية أكثر صحة واستقرارًا.