النهار
بقلم - أ.د. عادل بن عيد الخديدي
بقلب صابرٍ راضٍ عن قضاء الرحيم اللطيف الخبير تلقيت نبأ وفاة من هو كوالدي -رحمهما الله- معالي أ.د. محمد بن علي العقلا.
والذي وافته المنية صباح اليوم الثلاثاء 11 من جمادى الآخرة لعام 1447هـ.
وكان موته نتيجةً لأربع جلطات في الدماغ والقلب والرئة، وأثناء الكشف بعد أحد تلك الجلطات تفاجأنا بالصاعقة، وهي: انتشار السرطان الصامت في جسده -سرطان البنكرياس- وفي الدرجة الرابعة وهي الدرجة الأخطر طبياً ويعسر النجاة منها.
قبل الجلطة الأولى حلّ ضيفاً علينا في الطائف لحضور احتفال كبير لترقيتي لدرجة الأستاذية في الجامعة، كان يمشي بكامل اللياقة، لا عصا ولا مساعدة؛ بكامل جماله وبهائه، بل في غاية نشاطه، وللأسف زارنا وسافر وتعب، رغم أنه لا يدري أنه مصاب بالسرطان! لكني كنت منه بمنزلة ابنه أ.د. طارق، ولي في قلبه مكانه عميقة رحمه الله.
زرته مراراً أثناء الغيبوبة في العناية المركزة، ومكثت معه لحظات صعبة، وجرت عيني بدمعها مراراً، أقرأ عليه من القرآن ما أرجو فيه الشفاء والتخفيف، وكلي حزن وألمٌ حينما أرى ذلك الوجه الجميل وهو غائب عن الوعي ويتألم لبعض الفحوصات الدورية، كنت أرقيه فيجري دمعه – رحمه الله –، وأقول له:
أبوية إذا تسمعني طالع جهتي، فتتحرك عينه المرتعشة نحوي، وأمسح عنه دمعه وكل ألم.
كان لقائي الأخير به قبل موته بقرابة الأسبوع تقريباً على سريره وودعته على أمل الرجوع، ولكن سبقتنا إليه رحمة الله المحيطة بكل أحوال روحهِ، واختاره لجواره.
خلوت به في ثلاجة مغسلة المهاجرين بمكة، وكشفت -غير مرة- وجهه وإذا بملامحه مرتاحة، تعلوه بسمة كبسمة الشهداء، واحتضنته مراراً واختلطت دموعي بالطيب الذي على وجهه، لم تسعفني حروف ولا صوت، ولا يسمع داخل الثلاجة إلا صوت الأجهزة ولوعة فراق طويل لكن سيعقبه لقاء في جنات عدن بإذن الله.
أشهد بالله أنه كان رحيماً بالناس، وبخاصة طلاب المنح المغتربين، لم يكسر لهم خاطراً، وكان يوصيني بهم خيراً، حتى قبيل وفاته وقد غادر الجامعة بعد رئاستها بما يقارب الخمس عشرة سنة!
كان طيب العِشرة، مليح اللسان، وعفيف الجنان، وكنت -وقت رئاسته- قد بدرت مني زلة واعتذرت له -خجلاً-، فقال لي بصوته العندليبي:
“أحد يزعل على رُوحهِ وحياته”
وقال: " يا عادل إذا بعض الرجال في أقوامهم بألف فأنت تسوى عندي مليون!"
رحل اليوم لا لتغلق صفحة مشرفة في تاريخ رجال المملكة، بل ليسلط الضوء على شخصية إسلامية سيحفظ التاريخ اتساع أثرها، وقامة وطنية رفيعة الولاء والمحبة لقيادتها، وإنسانٍ عرفنا معنى الإنسانية، وسيبقى ذكرها لأمد بعيد بالخير والسيرة العطرة.
إنا لله وإنا إليه راجعون
ودّعته وبودي لو يودعني
صفو الحياة وأني لا أودّعه!
رحمك الله يا أبي، ويا أستاذي، ويا قدوتي، علمتني حب الجميع، وحب القيادة وجمع الكلمة، واحترام الخلاف، اللهم نوّر له في قبره، واجبر قلوبنا على فراقه.