النهار

٠٦ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ ديسمبر-٢٠٢٥       14410

بقلم - د . أحمد بن سعد بن غرم الغامدي 

يمثل الشعب السعودي برجاله ونسائه أنموذجاً فريداً يجمع بين عمق الأصالة وحيوية العصر، حيث تشكّل منظومة القيم الروحية والأخلاقية الإسلامية النابعة من العقيدة السمحة العمود الفقري لشخصيته الوطنية. هذه الشخصية لم تتشكل صدفة، بل هي نتاج تفاعل خلاق بين تعاليم الدين الحنيف والبيئة الجغرافية والتاريخية للمملكة ونصح ولاة أمره له عبر عقود من الزمن ، مما أفرز مجموعة من الخصائص المتميزة التي جعلته شعباً قادراً على الحفاظ على هويته مع الانفتاح الواعي على العالم ، وهي باختصار كالآتي :

أولاً: الجذور الروحية والأخلاقية: سلامة الفطرة واستقامة السريرة

يتميز السعودي بانطلاق شخصيته من سلامة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والتي تجد غذاءها الأمثل في تعاليم الإسلام التي لا تعارض الطبيعة البشرية السليمة. فالشخصية السعودية ترفض الغلو والتطرف، سواء في التشدد الديني المزيف أو في الانحلال المادي والأخلاقي ، وتسعى دوماً إلى الوسطية والاعتدال. وقد وازن الإسلام في تشريعاته بين حاجات الروح وأشواقها المعنوية ومتطلبات الجسد المادية، وهو توازن يتبناه المجتمع السعودي في سلوكه العام. فتراه حريصاً على العبادات وطلب العلم الشرعي، وفي الوقت نفسه نشطاً في العمل والإنتاج والتجارة، معتقداً أن الدنيا مزرعة الآخرة.

وهذه السلامة الفطرية تؤدي إلى استقامة السريرة، أي صفاء القلب ونقاء الضمير. فالسلوك الظاهري للفرد السعودي يستمد شرعيته وأصالة دوافعه من صدق النية وطهارة الباطن. وهذا ما يجعل قيماً مثل العفة والحياء درعاً واقياً للفرد والمجتمع، ويمنح العلاقات الاجتماعية طابعاً من الاحترام المتبادل والحدود الواضحة التي تحفظ الكرامة.

ثانياً: القيم الاجتماعية والخلقية: نسيج متين من المروءة والوفاء

تنبثق من تلك الجذور الروحية مجموعة من القيم الاجتماعية التي تشكل الهيكل الأخلاقي للمجتمع السعودي:

· الكرم والنخوة والشيمة: ليست الكرم مجرد إكرام ضيف، بل هي سجية وسعة صدر وعطاء بلا حدود، وهي جزء من "النخوة" التي تعني الشهامة والدفاع عن المظلوم ونجدة المحتاج. و"الشيمة" هي الخلق والطبع الكريم الذي يصبح سمة ملازمة للشخص.
· حسن الجوار والعشرة: يحظى الجار بمكانة عالية، والعلاقة معه تتجاوز مجرد التعايش إلى حقوق وواجبات مؤكدة. كما أن "العشرة" – أي المعاملة اليومية – تقوم على الرفق واللين والبشاشة وحسن المخالطة، مما يعمق أواصر المحبة بين أفراد المجتمع.
· الوفاء والسماحة: الوفاء للوطن والقيادة والعهد والصديق سمة بارزة. هذه السماحة تجعل المجتمع متسامحاً داخلياً، قادراً على احتواء الاختلافات وحل الخلافات بمنطق الحكمة والرحابة، بعيداً عن الضغائن.
· الشجاعة والغيرة: تتجلى الشجاعة في الثبات على المبادئ والدفاع عن الوطن، وفي المبادرة في ميادين العمل والعلم. أما الغيرة فهي الحميّة الدينية والوطنية التي تحمي مقدسات الأمة وثوابتها من أي انتهاك.

ثالثاً: العقل والإنتاج: الذكاء المبدع والبذل الواعي

لم تكن القيم الخلقية حاجزاً أمام العقل والإنجاز، بل كانت دافعاً له. يتمتع أبناء وبنات السعودية بذكاء عملي وحدس سريع، مدعوم بثقة عالية بالنفس ورغبة جامحة في التفوق. وهذا الذكاء لا يتحول إلى فردية أنانية، لأنه مقترن بقيمة البذل والعطاء والإيثار. فنجد أفراد المجتمع يتنافسون في الخير، سواء عبر العمل التطوعي أو دعم المشاريع الخيرية أو بذل الجهد لرفعة الوطن. هذه الروح هي الوقود الحقيقي لحركة الإنتاج الوطنية، التي تتحول من مفهوم مادي بحت إلى مفهوم أشمل: إنتاج الخير والمعرفة والثروة والتقدم، انطلاقاً من إيمان بأن عمارة الأرض واجب ديني ووطني.

رابعاً: اللحمة الوطنية والانتماء الحضاري: نموذج فريد

تمكن الشعب السعودي من صياغة نموذج متماسك في علاقته مع ولي أمره، قائم على انسجام قل نظيره، يقوم على أساس من الاحترام المتبادل والتقدير الصادق والثقة الكاملة. هذه العلاقة العضوية أسست لما يمكن تسميته "العقد الوطني السعودي"، حيث الولاء للقيادة جزء لا يتجزأ من حب الوطن، والانصياع للشرع والنظام تعبير عن الوعي والمسؤولية.

كما نجح المجتمع السعودي في تعزيز اللحمة الوطنية دون أن يكون ذلك على حساب انتمائه الأوسع؛ فهو جزء أصيل من العروبة، حريص على لغتها وثقافتها ومصلحة أمتها، وهو في نفس الوقت منتمٍ للإسلام العالمي، حامل لرسالته ومدافع عن قضاياه. وهنا يتجلى التوازن الحضاري: هوية وطنية قوية لا تنغلق، وانتماء عروبي وإسلامي لا يلغي الخصوصية.

خامساً: الثبات في مواجهة المتغيرات: أصالة الروح وعطاء المادة

أكبر تحد واجه الشخصية السعودية هو اختبار المتغيرات العالمية السريعة والانفتاح الهائل على ثقافات مختلفة. ورغم ذلك، حافظ الشعب على أصالته، لأن هذه الأصالة متجذرة في عقيدة راسخة وقيم ثابتة، وليست مجرد عادات سطحية. لقد تم استيعاب المتغيرات والتقنية من خلال مرشح قيمي قوي، مما حمى المجتمع من الانحرافات الأخلاقية والفكرية التي صاحبت التحديث في مجتمعات أخرى.

وهذا يعيدنا إلى الثنائية التي أتقنها المنهج الإسلامي والتي يطبقها المجتمع السعودي بوعي: التوازن بين الروح والمادة، والموازنة بين الدين والدنيا. فالروح – كمصدر للقيم والمعنى – هي التي تقود وتوجه، والمادة – من تقنية واقتصاد – هي وسيلة للعمران والرفاه. والدنيا – بعمارتها وإنجازاتها – هي جسر للآخرة. هذا التكامل هو السر في أن يبني السعودي أضخم ناطحات السحاب وهو حريص على أوقات الصلاة، وينافس في علوم المستقبل وهو متشبث بمبادئ دينه، ويحقق الرفاه المادي دون أن تفقده المادة لذة الروحانيات وطعم الإيمان.

خاتمة

الشعب السعودي، بشبابه وقيادته، لا يقدم نفسه كمجرد ناقل لتراث، بل كصانع لحضارة معاصرة تحمل روح الأصالة. إن خصائصه المذكورة ليست ماضوية، بل هي قوة دافعة للمستقبل. بقدرته على التكيف مع مستجدات العصر دون تفريط في ثوابته، وبحماسه للعطاء والإنتاج مع تمسكه بقيمه الأخلاقية، يستمر هذا الشعب في تشكيل أنموذجاً حياً يُظهر أن التقدم الحقيقي هو الذي يبني الإنسان قبل الحجر، ويغذي الروح كما يطور المادة، ويحقق السيادة الوطنية في انسجام تام مع الانتماء للإنسانية جمعاء.

هذا هو الشعب السعودي ، وهذه هي سماته ، وهكذا هو في توازنه واتزانه !
ولا عبرة بصوت نشاز أو سمة لا تمثله !