النهار
بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
في عالمٍ تتنازعُهُ الأصواتُ وتتدافعُ فيهِ المنصّاتُ ؛ كانتِ السُّلطةُ الرابعةُ -الإعلامُ -تُمسِكُ بزمامِ الكلمةِ، وتُوجِّهُ الرأيَ، وتصوغُ الوعيَ الجمعيَّ بما تملِكُ من بريقِ حضورٍ وتأثيرٍ.
غيرَ أنّ مشهدَ اليومِ يُعلِنُ تحوُّلًا أعمقَ من أدواتِ الإعلامِ ذاتِها؛ فثمّة سُلطةٌ جديدةٌ خرجت من رحمِ الفعلِ لا من صخبِ القولِ، من جوهرِ القيادةِ لا من سطحِ التّغطيةِ.
إنّها القيادةُ الخلّاقةُ، سُلطةٌ صامتةٌ أذابتِ السُّلطةَ الرابعةَ في وهجِها، حتى صارَ الإعلامُ يتفيّأ ظلالَها، لا يتقدّمُ عليها.
منذُ زمنٍ بعيدٍ، كان يُقالُ إنّ الإعلامَ هو السُّلطةُ التي تراقبُ وتُوجِّهُ وتُحاسبُ، لأنّها تملِكُ السّطرَ الأخيرَ في صياغةِ الرأيِ العامِّ.
لكنَّ الأزمانَ تغيّرتْ، ومعَها تغيّرَ مفهومُ القوّةِ؛ فها هو الواقعُ الحديثُ يُثبتُ أنّ من يصنعُ الحدثَ يغني عن مَن يُعلِّقُ عليه، وأنَّ الكلمةَ مهما بلغتْ فصاحتُها لا تسبقُ أثرًا تراهُ الأعيُنُ وتلمسُهُ الأيدي.
لقد عاشتِ السُّلطةُ الرابعةُ زمنًا طويلًا وهي تُمسِكُ بزمامِ التّأثيرِ، تُشعلُ الرأيَ وتُطفِئُه، وتُعيدُ تشكيلَ المواقفِ بمِزاجِها وخُبرتها في صناعةِ الصورةِ.
غيرَ أنّ القيادةَ الخلّاقةَ دخلتِ المشهدَ لتقلبَ الموازينَ، لا بخُطَبٍ أو عناوينَ، بل بقدرتِها على تحويلِ الإنجازِ إلى لغةٍ، والواقعِ إلى بيانٍ.
قالَ أفلاطون: " مَن يُحرِّكُ العالَمَ هو مَن يُحرِّكُ النُّفوسَ".
وهكذا، لم تَعُدِ النُّفوسُ تتحرّكُ بما يُنشَرُ في الصحفِ أو يُقالُ في الشاشاتِ، بل بما يُنجَزُ على الأرضِ، حين تتحوّلُ القيادةُ إلى مصدرِ الإلهامِ، وتصبحُ الأفعالُ أبلغَ منَ الأقوالِ.
ولعلّ نيتشه كانَ يُدركُ هذا التحوّلَ حينَ قالَ: "مَن يملِكُ سببًا يعيشُ من أجلِه، يستطيعُ أن يتحمَّلَ كُلَّ كيفٍ".
فالقيادةُ الخلّاقةُ هي التي تملِكُ ذلكَ «السّببَ»، تَخلُقُ الواقعَ لتجعلَ الإعلامَ تابعًا لهُ، مُفسِّرًا لا صانعًا، وظِلًّا لا مصدرَ ضوءٍ.
لقد كان الإعلامُ في عصورٍ سابقةٍ صانعًا للرّمزيّةِ، يُجمِّلُ القائدَ أو يُشيطنُهُ بحسبِ عدستِه، لكنَّ القيادةَ الخلّاقةَ بدّلتِ المعادلةَ؛ إذ صارَ الإعلامُ هو الذي يَلهَثُ خلفَ رمزيّتِها لِيحظى بشيءٍ من بريقِها.
فلم تَعُدِ السُّلطةُ الرابعةُ تكتبُ التاريخَ، بل تُعيدُ نشرَهُ بعدَ أن تكتُبَهُ القيادةُ بالفعلِ.
وهكذا كانت القيادةُ الخلّاقةُ، ترفُضُ أن تُدارَ بالصوتِ العالي، وتختارُ أن تُدارَ بالصدى البعيدِ.
لقد جرّبَ الإعلامُ في عصورٍ كثيرةٍ أن يكونَ صانعَ هيبةٍ، لكنَّهُ اليومَ أمامَ هيبةٍ تصنعُهُ.
فـ القوّةُ الحقيقيّةُ لم تعُد في مَن يملِكُ المِيكروفونَ، بل في مَن يملِكُ الفِكرةَ التي تجعلُ المِيكروفونَ يتحدّثُ عنه.
وها هي القيادةُ الخلّاقةُ تُثبِتُ أنَّ السُّلطةَ الرابعةَ لم تفقدْ دورَها، بل وجدتْ مَن يَحتويها، ويُعيدُ توجيهَها من الصَّخبِ إلى الفعلِ، ومنَ الخبرِ إلى الأثرِ.
إنَّ الإعلامَ اليومَ لا يُنازِعُ القيادةَ، بل يُكمِّلُها، بعدَ أن أدركَ أنَّ الفِكرةَ حينَ تُولَدُ من عقلٍ مُبدِعٍ ؛ تُصبحُ خبرًا بذاتِها، لا مادّةً لخبرٍ.
فقد تحوّلتِ السُّلطةُ الخلّاقةُ إلى قُدرةٍ على صوغِ الوعيِ بلا ضجيجٍ، وبناءِ الصّورةِ بلا مبالغةٍ، فأذابتْ السُّلطةَ الرابعةَ في نُبلِ مقصدِها، وأعادتْ للإعلامِ معناها النّقيَّ الأولَ: أن يكونَ شاهدًا على النّورِ، لا صانعاً للظِّل.
لقد كان الإعلامُ يومًا ما المِرآةَ التي تُعرّفُ النّاسَ بالعالَمِ، لكنّ القيادةَ الخلّاقةَ أصبحتِ اليومَ المِرآةَ التي يرى العالَمُ من خلالها نفسهُ.
فما عادتِ السُّلطةُ الرابعةُ تُمسكُ بالمِقودِ، لأنَّ الدَّفةَ صارتْ بيدِ مَن يخلُقُ الاتجاهَ.
وما بينَ صوتِ الكلمةِ وصمتِ الإنجازِ، اختارَت القيادةُ الخلّاقةُ أن تتكلّمَ بالفعلِ، وأن تترُكَ للإعلامِ شرفَ التّصفيقِ.
لقد ذابَ الحبرُ في وهجِ الفعلِ ؛ فانطفأتِ السُّلطةُ الرابعةُ في ضوءِ القيادةِ الخلّاقةِ.