الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يوليو-٢٠٢٥       11385

بقلم: عيسى المزمومي

التفت معالي المدير إلى الموظف المغلوب على أمره، وقال له مهددًا: "قسمًا بالله لأقطعنّ رزقك!" هيهاتَ، يا إنسان! أما تخشى دعوة مظلوم في جوف الليل؟! أما تخاف عقوبة رب العالمين، وقد اغتررت بسلطة زائلة ومال فانٍ؟!

في لحظات التأمل العميقة، حين نُمعن الفكر في معنى "الرزق"، نغوص في بحر من الفلسفة الوجودية، حيث لا يُقاس العطاء بالماديات وحدها، بل بالسكينة التي تسكن القلب، وبالأبواب التي تُفتح حين تُغلق السُبل، وبالعلاقات الطيبة التي تُزهر في مواسم الجفاف! 

إن الرزق، في جوهره، ليس مالًا فقط، بل هو نفحة من رحمة الله، ووجه من وجوه عنايته بعباده، كيفما كانوا وأينما وُجدوا. ورغم ذلك، لا يزال بعض الناس يتقمصون دور "المتحكم" في أرزاق العباد، وكأن مفاتيح الغيب بأيديهم، متناسين أن هذه القدرة وهم لا يدوم، وسلطة إلى زوال.

نراهم يهددون، يساومون، ويعاقبون على لقمة العيش، وكأنهم لم يقرأوا قوله تعالى: "وما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقُها" [هود: 6]. هنا، تبرز لنا حقيقة كبرى: الرزق بيد الله، لا بيد مخلوق مهما علت منزلته، أو كثر ماله، أو اشتد نفوذه.

هي مسألة إيمان وضمير، اختبار حقيقي لكل قلب: هل نثق برزق الله رغم سطوة المتجبرين؟! وهل نكف عن ظلم الآخرين خشيةً من الله لا طمعًا في رضا مخلوق؟!  كم من متسلط ظن أن بيده المنع والعطاء، فإذا به يفقد ما بين يديه في لحظة! وكم من مظلوم حُرم، لكنه توكل، فآتاه الله رزقًا لا يُحصى!

إن الله "يمهل ولا يهمل"، وقد يُمهل الظالم ليعود، لكنه لا يُبقي ظلمه بلا حساب. في بيئات يغلب فيها التنافس غير الشريف، تتحول "الأرزاق" إلى أدوات ابتزاز وهيمنة، تُغلق الأبواب، ويُفصل الموظفون، وتُقطع المساعدات. لكن من الرابح حقًا؟ أهو من استقوى على غيره؟ أم من قال بقلبه: "حسبي الله"، وتوكل عليه، ففتح له أبواب السماء؟ أليس الله القائل: "ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب" [الطلاق: 2-3].الرزق، في منظومة القيم الراقية، ليس مجرد راتبٍ شهري، بل هو كرامة الإنسان أن يسعى ويُكافأ، لا أن يُذل أو يُهدد. إنه توازن دقيق بين الجهد والتوكل، بين العمل والدعاء، وبين اليقين بأن العطاء الحقيقي لا يأتي إلا من "الرزّاق ذو القوة المتين".

من يهدد بقطع أرزاق الناس قد نسي أن الأقدار مكتوبة، وأن الأرزاق مقررة قبل أن نُولد. في الحديث الشريف، قال رسول الله ﷺ: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا... ثم يُؤمر الملك بكتب أربع كلمات: عمله، ورزقه، وأجله، وشقيّ أو سعيد" [متفق عليه]. فهل بعد هذا البيان مكان للتهديد؟ أو شر أشد من ظلم يحاول أن يمنع ما وهبه الله لعبد من عباده؟!

هذه الكلمات ليست احتجاجًا، بل دعوة للتأمل، لأن "الرزق" ليس حقًّا ماديًا فقط، بل قيمة أخلاقية وسلوك إنساني راقٍ. أن نكسبه بشرف، وأن نحترم حق غيرنا فيه، هو دليل على نبل النفس، أما منعه ظلمًا، فهو محاربة صريحة لمشيئة الله.

فلنتدبر قوله تعالى: "قل من يرزقكم من السماء والأرض... فسيقولون الله، فقل أفلا تتقون" [يونس: 31]. ولنُدرك دومًا أن الله يغيّر الأحوال، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء، ويُملي للظالم، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

وفي الختام، فلنغرس في قلوبنا هذا اليقين الثابت: "ما كان لك، سيأتيك ولو اجتمعت الأرض على منعه، وما لم يُكتب لك، فلن تناله ولو سُخرت لك السموات." ومن يتق الله، فلن يخذله الله أبدًا!