الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ يوليو-٢٠٢٥       10285

بقلم- شموخ نهار الحربي 

في لحظات كثيرة من الحياة، نشعر وكأنّنا لا نعيش بل ننجو… نركض من يومٍ إلى يوم، نحاول أن لا تغرقنا الأمواج، أن لا تقتلعنا الرياح، أن لا تمزّقنا خيبة جديدة.
كأننا في ساحة معركة لا نعلم من الذي بدأها، لكننا مضطرون للقتال فيها حتى النهاية.

وحين تشتدّ الظروف، وتضيق النفس، نسأل أنفسنا بصمتٍ مُرهق:
لماذا تأتي العواصف دائمًا مُحمّلة بالثِّقال؟
هل من الطبيعي أن تحمل الأيام هذا القدر من الألم؟
هل هو من العدل أن تنكسر الروح أكثر من مرّة دون أن تلقى كتفًا تحتويها؟
لماذا حين نحتاج السند، لا نجده؟ وحين نبحث عن الراحة، تكون بعيدة جدًا؟
هل خُلقت الحياة لنُختبَر؟ أم خُلِقنا نحن لنُحمَل فوق طاقتنا؟

نعم… العواصف تأتي بثقل
لا أحد يخبرك أن الحياة ستكون عادلة.
ولا أحد يُعلّمك كيف تتعامل مع العواصف التي لا تُشبه شيئًا ممّا مررت به من قبل.
تأتي الظروف القاسية فجأة، بلا تمهيد، كأنها تسقط من السماء لتختبر تماسكك، أو لتذكّرك أنك مهما وقفت بثبات، فستضعف في لحظة.

تأتي العواصف بوجوه كثيرة
تارةً تأتي على هيئة فقد…
تأتي في صورة وحدة، أو مرض، أو خيبة من أقرب الناس.
أحيانًا تأتي بهدوء قاتل، وأحيانًا بانفجار لا يترك شيئًا على حاله.
وتحمل معها ثِقالًا لا تُرى… وجعًا في القلب لا يُشرح، غصّة في الحلق لا تزول، شعورًا بالعجز لا يُفهم.

لكنّ الشيء الذي لا ننتبه له غالبًا…
هو أن العواصف، رغم ثقلها، تأتي ومعها شيء ما مخبّأ…
درس لا يظهر إلا لاحقًا، نضج لا يُولد إلا من رحم الألم،
قوة خفيّة لم نكن نعلم أننا نملكها.

العاصفة التي كادت تقتلنا… هي نفسها التي صنعت منّا شخصًا آخر.
العاصفة التي بكينا بسببها ليالٍ طويلة… هي التي حرّرتنا من التعلّق، من الوهم، من ضعفنا.
العاصفة التي شعرتِ فيها بأنكِ وحدك… هي التي جعلتك أقرب لله، أقرب لنفسك، وأقرب للحقيقة.

العواصف تُصفّي القلوب…
تُسقط من حولنا من لا يستحق أن يبقى.
تُظهر لنا من يحبّنا فعلًا، ومن لا يعرف سوى نفسه.
تُعيد ترتيبنا من الداخل، فتجعلنا نُحب أنفسنا أكثر، ونتسامح مع الماضي، ونتعلّم أن لا نعتمد إلا على الله.

نعم، العواصف موجعة،
لكنها تُنبت شيئًا فينا لا يُنبته الهدوء.
وتكشف شيئًا فينا ما كنا نعرف أنه موجود:
القدرة على النجاة، والقدرة على التحمّل، والقدرة على أن نبدأ من جديد.

بعد العاصفة…
سيهدأ كل شيء،
وستعود السماء صافية كما كانت،
وستزهر الأماكن التي ظننتِها ماتت.
ستضحكين، ربما ليس اليوم، لكن غدًا… حين تدركين أنكِ عبرتِ شيئًا كان يُمكن أن يكسر أي شخص، لكنكِ لم تُكسري.

وأخيرًا…
نعم، العواصف تأتي محمّلة بالثِّقال…
لكنّها تأتي محمّلة بالفرصة أيضًا،
فرصة لأن تصبحي أقوى، أصفى، أنضج، وأقرب لنورٍ ما كان ليظهر إلا حين انطفأت الدنيا.