بقلم- الصادق جادالمولى
في البدايات لم تكن الأرض تعرف الشعراء كانت تعرف الذين يُصغون؛ حيث لم يكن طرفة بن العبد ينشد في فراغ، ولا امرؤ القيس يكتب لريح الصحراء، وكانت القصائد تمشي بين الناس كما تمشي الخيول، وكل بيتٍ شعري كان يجد مأواه في صدر راعٍ، أو حكاية في مجلس، أو صدر قُبّة يتردد فيها الصدى، فالكلمات لم تكن حبرًا على جلدٍ أو ورق وإنما كانت حياة تُعاش وتُنقل وتُستعاد، ومع أن الشاعر كان واحدًا إلا أن المستمعين كانوا جماعة يرددون الأبيات، ويحفظونها قبل أن يناموا، ويجادلون بها في الأسواق، هكذا وُلد الشعر لا من فصاحة قائله وإنما من استعداد سامعه.
ولأن الشعر لا يُولد من صمتٍ لا يُفهم فإن كل شاعر حقيقي كان ابنًا لقارئ عميق، حتى وإن لم يعرف القراءة بالمعنى المدرسي، فالثقافة لا تقيم وزنًا للحروف بقدر ما تقيمه للوعي بها، والقراءة قبل أن تكون مهارة هي انفعال داخلي بحكاية واندهاش ببيت وذهول أمام فكرة، وشعور خفيّ بأن في الداخل فراغًا لا يملؤه سوى كتاب، ومن هنا تبدأ الحكاية وليس من عودة شاعر إلى منبره، وإنما من ميلاد قارئ يرى في الكتاب ما لا يُقال، ويسمع في القصيدة ما لا يُكتب.
تتسع في السعودية اليوم الطرق وتعلو الأبراج وتُضاء المسارح، ويكبر الحلم أسرع من أن نلتقط ظله، لكن القارئ يضيق صدره بالهدوء، ويخشى الجلوس الطويل أمام الكلمات، ويظل يبحث عن قصيدة لا تتطلب تركيزًا، ورواية تُقرأ بعيون تائهة، وعنوان صاخب يغنيه عن المضمون، وكأن كل شيء يُستبدل بلحظة، وكل لحظة تُختصر بلقطة، حتى أصبحنا في زمنٍ يسبق القراءة، ويلاحقها في الوقت ذاته دون أن يدركها.
وربما لهذا السبب كلما نهض شاعر جديد خاف أن يكون صوته بلا صدى، ويخشى أن تكتب القصيدة لنفسك وتخطب على منبر فارغ، ويجعله ذلك لا يتوارى لكنه يتأمل وينتظر أن يخرج من بين الجمهور من يقول له: "أعد ذلك البيت… فقد وقع في قلبي"، والثقافة إن لم يكن فيها قارئ يُحبّ وناقد يُفكّك ومحب يُجادل فإنها تذبل حتى لو عاد المتنبي نفسه من زمنه، فكل بيت شعر وكل صفحة رواية وكل مشهد مسرحي إن لم يسكن في صدر متلقٍ حي، لا يُعاد فيه إنتاج المعنى فهو مجرد أثر لا حياة فيه.
لم يرحل شعراء المملكة لكن بعضهم تراجع خطوة حين لم يسمع رجع صوته في القلوب، ولكنهم لا يزالون في انتظار قارئ لا يُسرّع المقاطع الصوتية، ولا يُهمل الصفحة إذا خلت من صورة، ولا يُغلق النص حين يصعب عليه، وكذلك ينتظرون قارئًا يطلب من القصيدة أن تشرح له الدنيا لا أن تواسي وحدته فقط.
لا تحتاج الثقافة السعودية إلى بعث الشعراء من رفاتهم، فهي لم تفقدهم أصلًا ولكنها تحتاج إلى أن يتربى الأطفال على أسئلة الكتب، ويكبر الشباب وهم يرون في المكتبة موعدًا، وفي القصيدة معنى، وفي المسرح حياة، وعندها فقط سيعود الشاعر لا لأنه انتظر طويلًا ولكن لأن قارئًا كان يبحث عنه ووجده!