بقلم: د. نجوى الكحلوت
في كل مرة أُيمّم وجهي فيها صوبَ وجهةٍ تختلجُ في نفسي جملةٌ من الأحاديث والتأملات التي أسطرها رحلة تلو أخرى. عجيبةٌ تلك الطائرةٌ تشقّ الفضاء، وكأنها صندوقٌ معلق في الهواء، والأعجب أنها تحمل في داخلها بشراً، وآمالاً، وحقائب، ومشاعر، وأسرار قلوب لا تُرى.
من الخارج، تبدو كتلة معدنية صامتة، ومن الداخل عالمٌ ينبض بالحياة والقصص والاحتمالات، كل مقعد فيها يسرد حكاية، وكل نافذةٍ تطل على السُحب، تفتح باباً للتأمل.
تجلس في مقعدك، تضع حزام الأمان، ويبدأ المشهد:
تتسارع العجلات، ثم فجأة ينفصل الجسد عن الأرض، كما ينفصل الحرف عن السطر ليصبح شِعرًا، وكأنك تُغادر الجاذبية لا بالجسد فقط، بل بما يثقله من أفكار وهموم.
يُصبح الناس تحْتَك نُقاطًا، ويغدو العالم صامتًا.
فوق الغيمات البيض، لا ترى إلا نقاءً بلا حدود، وسكونًا يشبه صلاةً طويلة.
لا شيء يبدو مهمًّا فجأة: القلق الذي تركته خلفك، أو المهام المؤجلة، أو حتى الوقت… فكل شيء هنا يخضع لنظام أعلى، لا تتحكم فيه، ولا تملكه.
في لحظة تظن أن الطائرة وسيلة نقل فقط، تأخذك من مطار إلى آخر! ثم تكتشف أنها تجربة روحية، وتوقن أن لحظة الإقلاع عبورٌ من واقع إلى تأمل، من ضجيج الأرض إلى صمت السماء.
وفي علوّها، نتذكّر هشاشتنا، ونتأمل قوله تعالى: {أوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ} [الملك: 19]
فمن يُمسك هذا الصندوق الثقيل في الهواء، ويسيّره بدقة وهدى، غير خالق الأرض والسماء؟!
في الطائرة، تتساوى الجنسيات والمناصب، وتغدو الهُويّة الوحيدة هي: "مسافر". مهما تعددت الوجهات وتباينت الغايات.
فقد تسافر للفرح، أو للغربة، أو للوداع، أو للعودة، أو للعبادة. وكل سفر يظل حالة من الانتقال بين مكانين وبين حالين أيضًا.
ومع كل رحلة، نُدرك أننا في الحقيقة مسافرون على ظهر الحياة، ماضون إلى المآل.
ربما لهذا، كانت السماء في رحلات الطيران أجمل من أي وقت آخر.
لأنها تضعك في مواجهة مباشرة مع المعنى:
أنك صغيرٌ جدًّا أمام هذا الكون، وكبيرٌ جدًّا عندما تتأمل.