الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ يوليو-٢٠٢٥       13860

بقلم:  د. نجوى الكحلوت
عندما يصير البحر طريقًا، والنجاة قرارًا، والإيمان جسراً تعبر عليه الأمم في لحظةٍ فارقة من تاريخ البشرية، اصطف الخوف والرجاء في صفّين، أحدهما يحمل رعب الهلاك، والآخر يتشبث بأمل النجاة، وبينهما لم يكْمُن السر في العصا، بل في اليقين العظيم!
موسى عليه السلام، نبيٌّ كريمٌ وقف مع قومه على شاطئ البحر، والعدو يلاحقهم من خلفهم بجيوشه وعتاده، والبحر يسد الطريق أمامهم بمياهه الهادرة، توجّهت الأبصار إليه، والقلوب ترتجف، والنجاة في عُرف المنطق مستحيلة، قال قومه: {إنا لمدركون} الشعراء 61. حينها نطق اليقين: {كلا إن معي ربي سيهدين}. الشعراء 62.
هذه الكلمة لم تكن مجرد عزاء نفسي، ولا محاولة للتماسك أمام الانهيار، بل كانت إعلانًا صريحًا أن الإيمان الحق يبدّل قوانين الأرض إذا استند إلى أمر الله، وهنا، صدرت مكافأة اليقين بالأمر الإلهي: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر} الشعراء 63.
أيُّ معجزةٍ تلك التي جعلت البحر ينفلق في اثني عشر طريقًا يبسًا، كأنّه لم يعرف الماء من قبل؟! وأي يقينٍ ذاك الذي سار به موسى ومن معه بين جدران الماء، مطمئنين أن القدر لن يُسقِطها إلا على الظالمين.
دخل بنو إسرائيل البحر، وخرجوا منه إلى الحرية، بينما فرعون دخل البحر بعناده وكبريائه، فكان الغرق نهاية جبروته، البحر ذاته كان معبرًا لنجاة فرقة، ومقبرة لطغيان لفرقة أخرى، وما بين الفريقين، كان اليقين (الطود العظيم) هو الفارق الوحيد.
ليس البحر وحده هو الذي ينشق حين يكتمل اليقين، إن القلوب المغلقة تنفتح، والمصائر تنقلب، والعوائق تتحطم حين يصدق العبد وعد الله، فكم من فرعونٍ في حياتنا يلاحقنا؟ وكم من بحرٍ يعترض طريقنا؟ لكن، من منا يملك يقين موسى؟
معجزة النجاة هذه ليست تاريخًا نرويه ولا حكاية نتسلى بها، ويوم عاشوراء ليس مجرد يوم نصومه، بل درسًا نحيا به، ففي كل ضيقٍ تعيشه، تذكّر أن البحر لا ينشق بالعصا، بل بالإيمان، واحمل في قلبك عقيدة {إن معي ربي سيهدين} وحتى تنجو امسك بيدك سببًا، وبقلبك يقينًا لا يتزعزع.