الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ يونيو-٢٠٢٥       16445

بقلم- أحمد صالح حلبي 

عرف "اللص" لغة بأنه "الشخص الذي يقوم بأخذ ممتلكات الآخرين بطريقة غير قانون". 

أما اصطلاحا فهو "مرتكب السرقة"، الذي يعرفه الاصطلاح القانوني بانه "الشخص الذي يرتكب فعل السرقة، وهو فعل جنائي يتضمن الاستيلاء على مال منقول مملوك للغير دون وجه حق". 

وبين تعريف اللص لغة واصطلاحا أخذت اقلب كتب التراث قارئا، وباحثا عن مادة تفيدني ومعلومة تزيدني، فتوقفت أمام  كتاب "بهجة النفوس والأحداق فيما تميز به القوم من الآداب والأخلاق"، لأبي المواهب عبدالوهاب بن أحمد الشعراني، والذي تحدث في جزء منه عن اللصوص وأخلاقهم، إذ كتب أن أحد اللصوص قال: "ما سرقتُ جاراً وإن كان عدوا لي، ولا كريماً، ولا امرأة، ولا بيتاً ليس فيه رجل، ولا قابلتُ غادراً بغدره".

وله تلميذ من مبادئه ألا يسرق أصحاب البضائع الصغيرة التي تقل قيمتها عن ألف درهم.

وهذا لص يوصي ابنه المستجِدّ في اللصوصية: اسرق من تشاء، لكن لا تسرق مَن شربتَ ماء بيته، أو ألقيتَ عليه السلام ورَدَّ عليك.

وقال شيخ من شيوخ اللصوص يوصي تلاميذه اللصوص وهو على فراش الموت: لا تسرقوا امرأة، ولا جارا، ولا نبيلا، ولا فقيرا، وإذا سرقتم بيتاً فاسرقوا نصفه واتركوا النصف الآخر يعتاش عليه أهله، ولا تكونوا من الأنذال".

وفي كتاب "محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء"، لمؤلفه أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، يقول: "أن لصّاً قال: ما سرقتُ جارا، ولا كريما، ولا كافأتُ غادراً بغدره"، وقال أيضاً يوصي أصحابه اللصوص: لا تسرقوا الجيران، واتقوا الحُرَم.

واعترض لصوص رجلاً وزوجته في طريق سفر، فأخذوا ما معهما من مال وطعام، ثم جلس اللصوص يأكلون، ولم يشاركهم كبيرهم الأكل، بل قام يصلي، فسأله الرجلُ المسروق: ما لي لا أراك تأكل معهم؟

قال: إني صائم!

فتعجب الرجل المسروق، وسأله: كيف تصوم وتصلي وأنت تسرق الناس، وتروّعهم؟

قال: إني أترك باباً بيني وبين الله لعلي أدخل منه إلى الجّنّة.

قال الرجل المسروق: بعد عامين رأيت كبير اللصوص في الحج عند الكعبة، فعَرَفتُه وعرفني، وقلتُ له: أنجاكَ البابُ الذي بينك وبين الله، وعلمتُ منه أنه تاب من اللصوصية، وأقبل على الله.

والله أعلم بصحة هذا الخبر، وإن صح فهو من أندر النوادر!

ولما حفلت به سير اللصوص من مواقف وأحدث، حمل البعض منها مواقف إنسانية، جاء صدور كتاب "نزهة النصوص في أخبار اللصوص"، انتخاب وتقديم هبة الله علي عبد الحسين، والصادر عن دار الشؤون الثقافية العراقية، ضمن موسوعة (منتخبات التراث العَرَبيّ)، والذي تناولت فيه الحديث عن أخبار اللصوص ودورهم في التراث العربي، وبينت أن "اللصوص طائفةً مهمةً في الأدب العربي، وتكمن هذه الأهمية في المهنة التي اتخذوها ومارسوها، وهي مهنة مثيرة اجتماعياً، كان للصوص اهتمام كبير في التراث العربي لكونهم طائفة خارجة عن العرف الاجتماعي والقانوني، كان اختيار عنوان الكتاب (نزهة النصوص في أخبار اللصوص) مراعياً لروح التراث العربي القديم  وقد  جمعت الأخبار من أمهات الكتب، وأدرج محوراً خاصاً بالكتب التي ألفت في هذه الطائفة. 

وفي مقدمتها تناولت "ظاهرة الخصوصية: نشأتها وتطورها. 

الباب الأول: سرقات اللصوص.
الباب الثاني: بطولات اللصوص وغاراتهم.
الباب الثالث : حبس اللصوص وهربهم.
الباب الرابع: مقاتل اللصوص.
الباب الخامس: اللصوص والحكام.
الباب السادس: عشق اللصوص.
الباب السابع: اللص وأهله.
الباب الثامن: أخبار متفرقة.
الباب التاسع: نوادر اللصوص.

وجاءت الملحقات بألقاب اللصوص واللصوصية ونعوتها ودلالاتها، أماكن اللصوص، معجم بصوص العرب". 

وإن حمل لصوص الماضي نماذج من الأخلاق في بعض تعاملاتهم، فإن لصوص اليوم قد غيبوبها، فأصبحنا نراهم يرتدون ثياب الشرف والأمانة، أما دواخلهم فتحمل أعمال اللصوصية فلا يحترمون  الجار ولا المرأة ولا اليتيم، ولا الأرملة، ولا الشيخ، ولا الطفل، يتحدثون  بكلمات بليغة ويستندون في كل جملة منها بيمين بالله أنهم أمناء، وأن أمانتهم تفوق أمانة يوسف عليه السلام على خزائن مصر!  

وحينما توكل إليهم الأمور تجد أن أمانتهم قد غابت، ومصالحهم قد حضرت، فمن أكثر احتراما للآخرين، لصوص الماضي أم لصوص الحاضر؟