الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ يونيو-٢٠٢٥       16940

بقلم:  د. نجوى الكحلوت
بعد أيامٍ نطوي عامًا هجريًّا حمل في طياته أفراحًا وأتراحًا، إنجازات وتعثرات، لقاءات وفُرَقى، يمضي تاركًا في القلب دروسًا، وفي العقل بصمات، وفي الروح أمل.
وبعد أيامٍ -أيضًا- نستقبل عامًا جديدًا تُروى سطوره الأولى، يجدد فينا الرجاء، يهتف في وجداننا أن نبدأ من جديد، أن نراجع المسار، ونضبط الاتجاه، ونتزود بما ينفعنا في رحلة الحياة.
وفي لحظة التحول بين عام يُطوى وآخر يُروى، نقف مع أعظم تحول في التاريخ:  الهجرة  النبوية. الانتقال المكاني، القرار الواعي بالتغيير، الانتصار للحق، واستشراف المستقبل الذي رسخ رسالة السماء.
إن  الهجرة  النبوية، التي نُؤرخ بها أعوامنا، تعلمنا ضرورة الانتقال من ضيقٍ الظلم إلى سعة العدل، ومن الخوفٍ إلى الأمان، ومن الضعف إلى القوة. هي درسٌ خالد يبلور حقيقة التغيير، وأن البدايات الجديدة لا تصنعها الأيام وحدها، بل تصنعها النفوس العظيمة ذات الإرادة القويّة والأهداف الجليّة.
ومن روح  الهجرة  النبويّة، يتجدد النداء في كل عام: أن اتخذ القرار وهاجر! هاجر إلى آمالك، واترك خلفك آلامك، هاجر إلى حيث ترى النور، حيث تنبت أحلامك من جديد، تأمل في ذاتك التي تنتظر منك خطوة، يقظة؛ لتصنع ما هو أنقى، وأعلى. وليكن قدوتك خير الخلق حين اختار  الهجرة  سبيلًا إلى بناء الحضارة بكل مقوماتها ومعانيها.
والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا نبدأ من الهجرة؟ فيأتي الجواب يقينا: لأنها لحظة زمنية بخارطة وجدانية، ولأنها منهج حياة تعلمنا كيف تكون الثقة بالله، كيف يُصنع التغيير بالنية والعمل، كيف تُبنى الأمم بالصبر والتخطيط والأمل والعمل.
لنجعل مطلع هذا العام الجديد نقطة تحول حقيقية، وهجرة واعية نحو ما نريد، ولنحمل راية  الهجرة  معنا، لا كحدث نحتفل به، بل قيمة نُحييها في حياتنا، في بيوتنا، في أعمالنا، في أخلاقنا، في علاقتنا بذواتنا والناس من حولنا.
أمامنا عامٌ يُروى… فلنحسن روايته. وكل عام ومليكُنا ومملكتُنا وولاة أمرنا والأمة الإسلامية بخير، وهجرة متجددة نحو ما يرضي الله، ويُزهر القلب، ويُضيء الدرب.