النهار
بقلم: د. نجوى الكحلوت
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
في زحمة الحياة وتسارع الأحداث، يظل حرف هذا البيت نغمًا يداعب مشاعرنا ويخلق في وجداننا حبًا للكتب يتدفق مادام العرق ينبض حياة، وتظل الكتب بوصلة فكرية لا تتيه، والمكتبات أوطانًا صغيرة للعقل والروح.
هناك، بين رفٍ ورف، تتنفس الأفكار وتُولد الأسئلة، وتُخزَّن أعمار كاملة في هيئة كلمات. الكتاب ليس جمادًا يُقرأ ثم يُنسى! إنه حوارٌ ممتد بين مؤلفٍ وقارئ، بين زمنٍ مضى وزمنٍ حاضر، ومستقبل يأتي، بين عقلٍ كتب وعقلٍ يتأمل، هو مرآة نرى فيها وجوهنا الحقيقية، ونافذة نُطل منها على حيوات لم نعيشها، وتجارب لم نَخُضها، وأفكار تُثير فينا الدهشة واليقظة.
بين أحضان المكتبات مهاجع الكتب مأوى للعقول الباحثة، والقلوب التي ما زالت تؤمن أن للمعرفة جمالًا لا يُشبه سواه، تدخلها فتشعر أن الزمن يبطئ، وأن الضجيج يهدأ، وكأنها مساحة وُجدت لتُعيد للإنسان توازنه وسط صخب العالم.
وفي زمنٍ أصبحت فيه المعلومة لحظية، وسهلة، وسريعة الزوال، تظل المكتبات تحفظ المعنى العميق، والتجربة الكاملة، والرحلة التي تستحق أن تُعاش بتأنٍ، وفي حضرة الكتاب، يعود الإنسان إلى فطرته الأولى: باحثًا، متأملاً، ومُحبًا للحقيقة، قابعًا في أعماق المعرفة.
فلنُعِد للكتاب هيبته، وللمكتبة حضورها، بوصفها مكانًا للقراءة ومَعْلمًا هادئًا يُنير الطرقات الخفية في دواخلنا. فمن هناك تبدأ كل البدايات الجميلة: بداية وعي، أو فكرة، أو حلم. وتبقى في ثناياها كل الحكايا والنهايات الخالدة.
وعلينا أن ندرك أن الاستثمار في الكتاب والمكتبة ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية. فبقدر ما نزرع من كلمات نيرة، نحصد علمًا ووعيًا، وبقدر ما نبني من مكتبات، نبني منارات ترشد الأجيال نحو النور.