النهار

١٦ ابريل-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ ابريل-٢٠٢٥       17710

بقلم: د. غالب محمد طه

تشير دراسات حديثة إلى أن متوسط استخدام الأطفال للأجهزة الذكية في العالم العربي يتجاوز خمس ساعات يوميًا، معظمها في تطبيقات ترفيهية لا تحمل أي مضمون معرفي أو تربوي. 

هذه الأرقام تدق ناقوس الخطر؛ فهي ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل نمط حياة جديد يبرز فجوة مؤلمة بين حضور الأطفال الكثيف في العالم الرقمي وغيابهم شبه التام عن المشهد الصحفي العربي.

وهنا، لا بد من التوقف والتساؤل: لماذا لا نخاطبهم كما نخاطب الكبار؟ لماذا لا يكون لهم مكان في صحافتنا، يُعبّرون فيه عن أحلامهم، فضولهم، وأسئلتهم؟

لماذا نتركهم يتشكّلون من خلال محتوى عابر على المنصات الرقمية، محتوى قد يُسلّيهم لكنه لا يزرع فيهم المعنى؟ لماذا نتركهم نهبًا لتطبيقات لا تشبه واقعهم، ولا تنتمي إلى ثقافتهم، ولا تفتح لهم نوافذ التفكير والانخراط في مجتمعهم؟

ندرك جيدًا أن العالم الرقمي يملك أدوات جذب لا تُقاوَم، لكن ذلك لا يعني أن نستسلم. 

بل يدعونا لأن نعيد التفكير في دورنا، وفي كيفية حضورنا ضمن هذا العالم، عبر أدوات أقرب إليهم، وأصوات تُشبههم.

فالطفل العربي اليوم ليس متفرجًا سلبيًا، بل مستخدم نشط، متفاعل، ذكي، فضولي، وطموح. لكنه وسط كل هذا الحضور الرقمي لا يرى نفسه في منصاتنا الصحفية. لا يجد قصته، ولا يسمع صوته، ولا يلمح صورته في المقالات أو العناوين.

في ظل هيمنة العالم الرقمي علي واقعنا اليوم، أصبح الأطفال بين تأثيرين متناقضين؛ الأول يتمثل في التطبيقات الهاتفية التي تستحوذ على معظم وقتهم دون أن تقدم لهم قيمة معرفية حقيقية، والثاني في المؤثرين على وسائل التواصل، حيث يتشكل وعيهم من محتوى قد لا يعكس بالضرورة القيم الثقافية والمجتمعية.

وبين هذين التيارين، تقف الصحافة عند مفترق طرق؛ ورغم أنها تبدو في تراجع كوسيلة اتصال تقليدية، إلا أنها تمتلك القدرة على التطور وإعادة تشكيل دورها لتكون نافذة ثقافية ذات تأثير إيجابي.

في ثقافتنا، الطفل هو مشروع أمة، وليس مجرد فرد في عزلة رقمية. ومن واجبنا أن نساهم كلنا في تشكيل وعيه، لا أن نتجاهله بحجة ضعف العائد أو تعقيد المحتوى.

قد لا يكون الحل في الاكتفاء بإنشاء صحف ومجلات متخصصة للأطفال فحسب، بل في تطوير وسائلنا العامة نفسها لتُدرج الطفل ضمن جمهورها الحقيقي، وتُفكر جديًا في بناء محتوى يخاطبه بلغة قريبة، دون أن تُقصي أحدًا أو تتنازل عن قيمها المهنية.

فالصحف، بما تمتلكه من أدوات تحريرية وتاريخ عريق في تشكيل الرأي العام، تظل ركيزة أساسية في المنظومة الإعلامية. 

ودورها في إشراك الطفل لا يُعد انتقاصًا من مكانتها، بل تأكيد على قدرتها على التجدد والتوسع في مخاطبة فئات المجتمع كافة، بما في ذلك الناشئة.

تجارب دولية رائدة أثبتت نجاح دمج الأطفال في العمل الصحفي من خلال مساحات أسبوعية مخصصة لهم داخل الصحف الكبرى، حيث يُتاح لهم التعبير والقراءة والمشاركة، في مناخ يحترم ذكاءهم، ويغذي فضولهم، ويجعلهم شركاء لا متلقين.

وفي ظل ما تتضمنه رؤية المملكة العربية السعودية 2030 من قيم تشجّع على بناء الإنسان، وتعزيز الإبداع، والانفتاح على أدوات العصر، فإن هذه الرؤية لا تُعد مشروعًا وطنيًا فحسب، بل تُشكّل أرضية ملهمة يُمكن للدول العربية كلها أن تنطلق منها في صياغة تجارب إعلامية أكثر وعيًا والهام ، تبدأ من الطفولة، وتؤمن بأن بناء جيل المستقبل يبدأ من منصات اليوم، من الأسئلة الأولى، ومن القصص التي تُروى بعين تُشبههم.

لكن هذا التحول لن يتحقق إذا بقيت الصحافة موجهة فقط لأولياء الأمور، تطرح عليهم الأسئلة دون أن تخاطب الأطفال أنفسهم.

لماذا لا تُقدَّم الصحافة بطريقة تستهويهم؟ لماذا لا تكون مساحة للحوار والمشاركة بدلاً من الاكتفاء بإيصال المعلومات إليهم؟ الصحافة ليست مجرد أداة لنقل الأخبار، بل يمكنها أن تكون منصة تُلهم الأطفال، تحفزهم على التفكير النقدي، وتساعدهم على تكوين وعي مستقل بعيدًا عن التأثيرات السطحية التي تهيمن على المحتوى الرقمي.

أين قصته؟ أين أحلامه؟ أين اللغة التي تشبهه وتحدّثه دون أن تقلل من وعيه؟

لقد آن الأوان أن نقول: كفى!

الطفل العربي ذكي وطموح، لكنه لا يجد نفسه في منصاتنا الصحفية. 

وقد آن الأوان لنسأل:

لم نعد نملك رفاهية تجاهل الأطفال في صحافتنا. لقد آن الأوان أن نفتح لهم الباب، لا كزائرين عابرين، بل كأصحاب دار

آن الأوان أن نُعيد التفكير، ونُعيد تشكيل السؤال:

هل نكتب عنهم؟ أم نكتب معهم؟

هل نقدم لهم المحتوى؟ أم نُشركهم في تقديمه؟

نحلم بصحافة تُنصت، لا تُلقن.

صحافة تفتح الأبواب، لا تغلقها.

صحافة تمنح الطفل مقعدًا، وصوتًا، وربما زاوية أسبوعية ينتظرها كما ينتظر قصته كل يوم.

فهل آن أوان هذا الحلم؟

وهل هناك صحيفة تجرؤ على الاقتراب من الطفل كما هو، لا كما نتصوره؟

هل يمكن أن يولد "نهار جديد" لهم، وبهم؟