بقلم الكاتبة | شهد محمد الراشدي
يعد حمام أبو لوزة، رمزًا ثقافيًا وتاريخيًا راسخًا في ذاكرة أهالي القطيف، يقع في قرية البحاري، وهي قرية ساحلية تقع على ساحل الخليج العربي في الجزء الشرقي من المملكة العربية السعودية، على بعد 22 كيلومترًا جنوب مدينة القطيف (العرض: 25.551366° شمالاً- الطول: 49.683733° شرقاً). ولقد بُني الحمام فوق عين كبريتية معدنية عميقة تصل إلى 22 مترًا، لذا كان يستخدم للاستشفاء والعلاج من بعض الأمراض. وتتفرع من هذه العين عيون أخرى، منها: عين الخباقة والتي كانت مخصصة للرجال فقط، وتقع على بعد 20 مترًا من الحمام، عين القصاري والتي كانت مخصصة للنساء، وتقع على بعد 100 متر من الحمام. ويتميز الحمام بتصميمه المعماري الفريد، وارتباطه الوثيق بثقافة المنطقة وتاريخها العريق. ولقد لعب الحمام دورًا كملتقىً لأهالي المنطقة من مختلف الطبقات الاجتماعية، حيث كانوا يجتمعون للتواصل وتبادل الأحاديث والأخبار.
سبب التسمية:
لا يوجد سبب جلي يفسر تسمية الحمام بأبي لوزة، إنما يُرجّح المؤرخون والباحثون سببين رئيسيين لتسمية حمام أبو لوزة:
1. تشابه القبة مع شكل اللوزة:
حيث تشبه اللوزة في انحنائها وتمدّدها، ويعزّز هذه الفرضية التصميم المعماري للحمام، حيث تتميز سقوفه القبيبة بتصميمها الفريد، بخلاف أسقف حمامات العيون الأخرى في القطيف التي كانت تُسقّف بجذوع النخيل أو الألواح الخشبية. وتُعتبر هذه الفرضية الأكثر ترجيحًا نظرًا لارتباطها المباشر بالشكل المعماري المميز للحمام.
2. كثرة أشجار اللوز في المنطقة:
يرجّح البعض أنّ سبب تسمية الحمام يعود إلى كثرة أشجار اللوز في المنطقة قديمًا، وتُشير بعض الروايات إلى وجود شجرة لوز كبيرة بالقرب من الحمام، ممّا قد يكون سببًا في تسميته بهذا الاسم.
تاريخ البناء:
يُواجه تحديد تاريخ بناء الحمام بدقة صعوبة كبيرة، نظرًا لغياب الدلائل الأثرية والنصوص التاريخية، التي تُثبت تاريخ بنائه بشكل قاطع. ويُرجّح المؤرخون والباحثون تاريخين لتشييد حمام أبو لوزة:
1. القرن الخامس والسادس الهجري: تشير بعض الروايات إلى أنّ الحمام بُني في عهد القرامطة أو العيونيين بين القرنين الخامس والسادس الهجري، أي قبل أكثر من 800 عام.
2. قبل 500 عام: يرجّح البعض الآخر أنّ الحمام بُني قبل 500 عام، أي قبل القرن العاشر الهجري.
عمارة الحمام:
يعد حمام أبو لوزة تحفة معمارية فريدة من نوعها، ويتكون حمام أبو لوزة من قسمين مُنفصلين أحدهما للرجال والآخر للنساء، ويحتوي كل قسم على جميع مرافق الحمامات التقليدية. ويتميز الحمام بتصميمه المعماري الذي يختلف عن تصميم حمامات العيون الأخرى في القطيف. حيث يتميز حمام أبو لوزة بالسمات المعمارية التالية:
- القباب المميزة الشكل: تتميز سقوف حمام أبو لوزة بقبابها التي تُشكل عنصرًا معماريًا فريدًا يُميّزه عن الحمامات الأخرى التي كانت تُسقّف بجذوع النخيل أو الألواح الخشبية.
- تصميم المحاريب المتدرجة: بُنى الحمام على شكل محاريب متدرجة تعلو بعضها البعض، وهو تصميم غير مألوف في المنطقة.
- وجود القباب الداخلية: تُفرّغ فوق كلّ محراب قبة تحافظ على نفس النمط المعماري من الداخل.
ويُضفي التصميم المعماري الفريد لحمام أبو لوزة جمالاً خاصًا على الحمام ويجعله معلمًا ثقافيًا وتاريخيًا هامًا، ويتيح التصميم المعماري الاستفادة من المساحة بشكل أفضل وتوفير بيئة مناسبة للاستحمام والاسترخاء.
القيم الاستثنائية التي يجسدها حمام أبو لوزة:
يُجسّد حمام أبو لوزة قيمًا استثنائية تجعله رمزًا ثقافيًا وتاريخيًا هامًا ليس فقط في القطيف أو المملكة، بل في العالم أجمع، ومن أهم هذه القيم:
1. التراث الثقافي الفريد: يُعدّ حمام أبو لوزة شاهدًا على تقليد ثقافي مندثر، وهو الحمامات العامة الساخنة، ويُمثل الحمام أهمية ثقافية كبيرة لأهالي المنطقة، حيث كان يُستخدم كملتقى اجتماعي ومكان للاستحمام والعلاج.
2. العمارة المميزة: يتميز حمام أبو لوزة بتصميمه المعماري الفريد الذي يختلف عن حمامات العيون الأخرى في القطيف والمملكة والعالم أجمع، ويُضفي التصميم المعماري للحمام جمالاً خاصًا ويجعله معلمًا ثقافيًا وتاريخيًا هامًا.
3. الأهمية التاريخية: يُعدّ حمام أبو لوزة من المعالم التاريخية المهمة في القطيف، يرتبط الحمام بتاريخ المنطقة وثقافتها، ويُجسّد عراقة الماضي وحضارته.
أهم المشكلات والتحديات التي تواجه حمام أبو لوزة:
1. جفاف العين: يُعدّ جفاف العين التي بُنى عليها الحمام السبب الرئيسي لتوقفه عن العمل، وأدى جفاف العين إلى توقف تدفق المياه التي كانت تُستخدم لتسخين الحمام وتوفير مياه الاستحمام.
2. الإهمال: تعرض حمام أبو لوزة للإهمال لسنوات طويلة بعد توقف تشغيله، مما أدى الإهمال إلى تدهور الحمام، بالإضافة إلى تآكله بسبب عوامل التعرية والتجوية.
3. نقص التمويل: يعاني حمام أبو لوزة من نقص التمويل اللازم لصيانته وإعادة تأهيله، ويُشكل نقص التمويل عقبة كبيرة أمام ترميم الحمام وإعادة إحيائه.
تُهدد هذه التحديات بفقدان معْلمٍ ثقافي وتاريخي هام من معالم القطيف.
الحفاظ على حمام أبو لوزة:
تقع المسؤولية الرسمية للحفاظ على المعالم التاريخية والثقافية في المملكة العربية السعودية على عاتق هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة، ويُعدّ حمام أبو لوزة من أهم هذه المعالم في محافظة القطيف لما له من قيمة تاريخية وثقافية ومعمارية وعلمية وسياحية، ولقد قامت هيئة التراث ببعض الخطوات الأولية لحماية حمام أبو لوزة، ومنها إحاطته بسياج سلكي وإغلاقه لمنع الدخول إليه. كما أوكلت مهمة الإشراف على حمام أبو لوزة إلى متطوع من أهالي المنطقة، والذي يلعب دورًا هامًا في رعاية الحمام والحفاظ عليه من التخريب أو الإهمال. وحديثًا توجد جهود واضحة من قبل الهيئة لترميم الحمام بشكل علمي منهجي.
إشارة إلى أعمال الترميم السابقة إلى حمام أبو لوزة من قبل بلدية القطيف، وما تم من أعمال ترميم وإضافات في الحمام والمحيط به وهي لا تناسب طرازه السابقة وادخلت عليه تحسينات ومواد حديثة، ولتأثر قبة العين بشمل كبير بسبب جفاف العين مما سبب تشققات في القبة والأسقف الأخرى، ومن باب مسؤولية هيئة التراث حول حماية وترميم المواقع ولأهمية معالجة الحمام والحفاظ عليه من الانهيار فقط اعتمد مشروع في سنة 1445هـ:
- -تدعيم الحمام.
- ترميم الحمام وأجزاءه.
- إزالة المستحدث من قبل البلدية.
- إزالة الترميمات الحديثة من الاسمنت والخراسانية وغيرها.
- تم معالجة التشققات.
- تم البدء في تلك الأعمال وما زال العمل جاري في الأعمال.
ويُعد الحفاظ على القيم الاستثنائية لحمام أبو لوزة مسؤوليةٌ مشتركة تتطلب تضافر الجهود واتخاذ خطواتٍ جادة لحماية هذا المعلم الثقافي والتاريخي من الاندثار، حيث يقع الحفاظ على حمام أبو لوزة على عاتق الجميع، من أفراد المجتمع والحكومة والمنظمات الدولية. حيث يتمثل دور المجتمع في توعية أنفسهم وأبنائهم بأهمية حمام أبو لوزة، والحفاظ على نظافته وحمايته من التخريب. بينما يتلخص دور الحكومة والتي تمثلها هيئة التراث بالمنطقة الشرقية في توفير التمويل اللازم لصيانة وترميم وإعادة تأهيل حمام أبو لوزة، وإدراجه ضمن قائمة التراث الوطني ثم العالمي ومن ثم استثماره سياحيًا بما يعود بالنفع على المجتمع والدولة والقيمة الاستثنائية نفسها. كما يتلخص دور المنظمات الدولية في تقديم الدعم الفني والمالي للحفاظ على حمام أبو لوزة، ونشره كمعلم ثقافي وتاريخي مهم. ومن خلال هذا الجهد الجماعي، يمكننا ضمان الحفاظ على هذا المعلم الفريد للأجيال القادمة.
وفيما يلي بعض أهم الخطوات التي يجب اتّخاذها:
1. يجب على الجهات المسؤولة عن الحمام وضع خطة شاملة للحفاظ عليه تتضمن خطوات الإصلاح والتطوير ونشر الوعي، وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ خطة الحفاظ على الحمام، والتعاون مع الجهات ذات الصلة، مثل المنظمات الدولية والمحلية، للحفاظ على الحمام.
2. إجراء دراسات علمية: يجب إجراء دراسات علمية على الحمام لفهم تقنيات البناء وأنظمة التهوية واستخدام المياه في تلك الفترة، ويجب تسجيل المعرفة التاريخية والنتائج العلمية في وثائقٍ رسمية لحفظها للأجيال القادمة.
3. نشر الوعي بأهمية الحمام: يجب تنظيم حملات توعوية لنشر الوعي بأهمية الحمام التاريخية والثقافية والعمرانية بين أهالي المنطقة والسياح، ويجب إدراج الحمام في البرامج التعليمية لتعريف الأجيال القادمة بتاريخه وثقافته.
4. ترميم وإعادة تأهيل الحمام: يجب إجراء الترميم العلمي الضروري للحفاظ على بنية الحمام المعمارية الفريدة ومنع انهياره، ولابد أن تتم عملية الترميم بدقة عالية وبمنهجية علمية واستخدام مواد بناء تقليدية للحفاظ على أصالته.
5. تطوير الموقع سياحيًا: يجب توفير بنية تحتية مناسبة لاستقبال الزوار وتسهيل تنقلهم داخل الموقع، وتجهيز الموقع بمرافق حديثة مثل مسار للزيارة مجهز بشاشات عرض ووسائل تساعد المرشد السياحي في عمله، ومركز للزوار ومحلات لبيع الهدايا التذكارية.
6. إدراج الحمام ضمن قائمة التراث العالمي: يجب ترشيح حمام أبو لوزة للإدراج ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، سيُساهم إدراج الحمام في القائمة في منحه حماية دولية وتوفير الدعم المالي للحفاظ عليه.
من خلال اتخاذ هذه الخطوات، يمكننا ضمان الحفاظ على القيم الاستثنائية لحمام أبو لوزة للأجيال القادمة.
يمثل حمام أبو لوزة، شريانًا ثقافيًا وتاريخيًا حيويًا في القطيف، يروي حكاية حضارة عريقة، ويجسد إبداع الإنسان في فن العمارة، ورغم التحديات التي واجهها الحمام، من جفاف العين وتآكل الزمن، إلّا أنّ الجهود المُضنية لإعادة تأهيله وإحيائه، تُبشّر بعودته كرمز ثقافي نابض بالحياة، فقد حظي الحمام بعناية فائقة من قبل هيئة التراث، ممّا أعاد له رونقه المعماري، وأعاد إحياء ذاكرة المكان في قلوب أهالي القطيف.
ولكنّ الحفاظ على حمام أبو لوزة مسؤوليةٌ مشتركة، تتطلب تضافر الجهود من جميع أفراد المجتمع، للحفاظ على هذا الإرث الثمين للأجيال القادمة، فمن خلال نشر الوعي بأهمية الحمام، ودعم جهود الترميم، وتنشيط السياحة الثقافية، يمكننا ضمان استمرار حمام أبو لوزة، كمنارةٍ ثقافية تُضيء دروب الحضارة والتاريخ.
وختامًا، إنّ حمام أبو لوزة، ليس مجرد بناء حجري، بل هو حكاية تروى، وقيم تحافظ، وذاكرةٌ تخلّد، ورمز يلهم.