بقلم | ريما آل كلزلي
الخيال ليس مجرد قدرة على إنتاج صور ذهنية غير موجودة فقط، بل هو أداة معرفية قوية تمكن الإنسان من استكشاف الواقع وفهمه بشكل أعمق وأشمل في هذا السياق، يلعب الخيال دورًا حاسمًا لتشكيل صور مجازية دالة تساعد على تجاوز الملموس والوصول إلى المعاني الأكثر تجريدًا وعمقًا، حيث أن "الخيال الأدبي لا يقل أهمية عن الفلسفة والتفكير العقلي في تشكيل الوعي الإنساني، ما يجعله يرقى إلى أن يكون عنصرًا مكوِّنا من نظرية المعرفة فجاءت أعمال كاسيرر وبول ريكور ونورثروب فراي ودريدا وآخرين.
الإنسان، محكوم بحواسه، يقف على عتبات الواقع الملموس، و تمده هذه الحواس بمعلومات مباشرة عن العالم المحيط، إلا أن هذه المعطيات، مهما بلغت دقتها، تظل محدودة وغير قادرة على كشف جميع أبعاد الواقع، فيأتي دور الخيال كقوة دافعة تتيح النظر خلف الظواهر إلى الجواهر لتبرز قدرة الخيال على تجاوز المحدودية الحسية.
وإنّ من أهم وظائف الخيال تمكين الإنسان من تحويل البيانات الحسية إلى مفاهيم وصور ذهنية تتجاوز الوقائع البسيطة عن طريق استخدام اللغة، وجاء في الذكر، " وعلّم آدم الأسماء كلّها" الآية ٣١، البقرة.
وبما أنّ الوعي البشري قام - حسب سعيد الغانمي- في الطّور الأول من أطوارِهِ على فاعليَّة اللُّغة، أي على ما صرنا نسمِّيه لاحقاً بالأدب، وطالما فكّر الإنسان من خلال اللغة فابتدع الأدب السُّومريُّ الأساطيرَ وبعض الحكايات البطوليَّة.
ثمَّ استطاع الأدب البابليُّ أن يبتكر صنف الملحمة، وكان هذا إسهاماً عظيماً في تطوُّر تاريخ وعي الإنسان لذاته، حتّى تنامت الحضارة عبر الزمن فتوصَّل الفكر اليونانيُّ إلى بناء منظومة عقليَّة من أحجار أُطلِقَ عليها اسم "المفاهيم"، وأُعطيَ الحقل الذي يُعنى بها اسماً رمزيّاً هو الفلسفة: وهي كلمة مشتقَّة في أصلها اليونانيِّ من "محبَّة الحكمة"، وكوّن الإنسان المجازات والرموز لكي يمنح معنى أكبر وأعمق للتجارب الإنسانية، مما يسهل على العقل استيعاب وتقدير تعقيدات الحياة والوجود.
كما يمكن للخيال أن يعمل كجسر يوصل بين الثقافات والأفكار المختلفة، مما يسهل على الناس استيعاب وتقدير تجارب وآراء متنوعة من خلال القصص والأساطير التي تستخدم الصور المجازية، ورغم أهمية الخيال، هناك تحديات تواجه استخدامه بشكل فعال لذا ، من الضروري التمييز بين الخيال الخصب الذي يعزز الفهم، وبين الهروب الخيالي الذي قد يؤدي إلى تشويه الواق، فالقدرة على استخدام الخيال بطريقة متوازنة تتطلب وعيًا ونقدًا ذاتيًا.
أمّا في الأدب، يمكن لوصف بسيط مثل "أشجار تبكي أوراقها في الخريف" أن ينقل تجربة الفقد والتغيير بطريقة أعمق بكثير من مجرد القول" إن الأوراق تسقط من الأشجار بسبب تغير الفصول".
هذه الصورة المجازية تفتح بابًا للتأمل في دورة الحياة والتحولات الطبيعية تتبين هنا قدرة الكلمة وقوتها على الإنسان السابق واللاحق، فيقول كاسيرر :" إنّ فاعلية الكلمة كانت تغلف حياة الإنسان القديم وتتخلل جميع تفاصيل حياته"، وما يزال للكلمة تأثيرها القوي في الخيال الأدبي بكل أصنافها، فقد أسهمت في تطوّر الخيال عبر اللغة إلى الاسطورة، وما هي الأسطورة إلا : مادةٌ تراثية نهلت من العصور الأولى الأفكار والمعتقدات التي يُعبر بها الإنسان عن واقعه المعاش حيث يمتزج فيها الواقع بالخيال، وتعمل القداسة كركيزة أساسية في تكوينها.
فاستفاد الشّعر منها ليعبر بالقارئ عبرها إلى عالم الماورائيات والإيغال فيها، ونضرب مثلًا قصيدة "أنشودة المطر" بوصفها قصيدة حديثة تم استخدام الصور الأسطورية فيها بشكلٍ يستدعي فضول القارئ للتفكر في حيثيات الأسطورة ومدى ارتباطها بالواقع، وقد أجاد الشاعر بدر شاكر السياب، استخدام الخاصيّة إذ يتنقل بالقارئ بين عالمين؛ عالم واقعي ينقل آلام الشاعر وأحزانه في الواقع، وعالم أسطوري؛ يستحضر فيه أساطير غابرة ليبعث فيها الروح من جديد ، وهنا يستحضر الجانب الأسطوري:
كالبحر سرّح اليدين فوقه المساء
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف ،
والموت، والميلاد، والظلام، والضياء
أما الجانب الواقعي فيتجلى في قوله:
فتستفيق ملء روحي رعشة البكاء
ونشوة وحشية تعانق السماء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر
كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم
وقطرة فقطرة تذوب في المطر…
وقد تطوّر الخيال الأدبي وتشعّب فكان " أطوارًا ثلاثة لتطوره هي على التوالي : الخيال الأسطوري القديم ، والخيال اليوتيوبي في عصر الفلسفة والعقل، ثم الخيال العلمي بعد سيادة اللغة العلمية الوصفية في العصر الحديث".
ولتعزيز دور الخيال في الأدب وتجاوز المعطيات الحسية، يتوجب اتباع عدة إستراتيجيات تساعد على توسيع آفاق الخيال وخلق تجارب أدبية غنية وعميقة.
مثل توسيع القراءات من خلال قراءة أعمال أدبية تنتمي إلى مختلف الأجناس والثقافات التي يمكن أن تفتح الآفاق وتعرف على أساليب وتقنيات جديدة في الكتابة بلا قيود على سبيل الكتابة الحرة، كتقنية تساعد على تحرير الخيال واكتشاف أفكار جديدة.
كذلك استخدام التشبيهات لرسم صور ذهنية مبتكرة وغير مألوفة، أما الكتابة التجريبية فتمكّن من تجربة أشكال وأنماط كتابة جديدة. قد تشمل الكتابة التجريبية تغيير نقطة النظر، الزمان والمكان، أو حتى تجريب أنماط سردية غير تقليدية. فيمكن خلق تجارب قراءة فريدة ومبتكرة.
وقد يمنح التأمل والتفكير العديد من الأفكار العظيمة عندما نعطي عقولنا فرصة للراحة والتفكير بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية.
أمّا التفاعل مع الطبيعة فيمكن أن يكون مصدر إلهام قوي. الطبيعة بتنوعها وجمالها يمكن أن تحفز الخيال وتساعد على التفكير خارج الإطار التقليدي.
في النهاية، يظلّ الخيال جزءًا لا يتجزأ من القدرة الإنسانية على فهم العالم وتوسيع حدوده المعرفية من خلال تجاوز المحدوديات الحسية ونحت صور مجازية دالة، يفتح للخيال أبواب الإدراك لجواهر الواقع، مما يسهل على الإنسان التعامل مع المعتقدات الحياتية والوجودية بشكل أكثر عمقًا وإبداعًا.