الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ أغسطس-٢٠٢٤       20075

بقلم - محمد جبران

كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحا، حينما أشعل السجان مصباح الزنزانة وبجانبه وقف المحامي يتفحص أوراقي قبل المرافعة الأخيرة أمام القضاء، ظهيرة هذا اليوم، لم أنم أكثر من ساعتين، مرّت نهارات وليالٍ وظِل شجرة السدرة العتيقة لا يزال يتمدد في ذاكرتي ويرهق تفكيري، من تلك اللحظة التي تسلقت جذعها الطويل محاولا إنقاذ قطة صغيرة عالقة بين أغصانها المتشابكة، وفي الوقت نفسه جني ما أمكن من نبقها الناضج كالمعتاد، وعندما هممت بالنزول شعرت بوقع أقدام تدعس بخفة على الأوراق اليابسة؛ فتاة في السادسة عشرة من عمرها تنتظر وصولي إلى الأسفل، كانت فاتنة ومزهوة بنفسها، لطالما اعتادت التمرد على أحلامي منذ قدومها من المدينة. 

خفق قلبي بشدة عند رؤيتها من الأعلى، بدأت السماء أمامي أكثر بهجة، رأيت أوراق حمراء وقناديل ملونة تتدلى من الشجرة، أصبح فمي مليئا بالحب، كم كنت في حاجة إلى عينيها الصافيتين الدافئتين للبوح بما في صدري، ثم افتعال عناق وقبلة طويلة! لكنني حرصت على أن أكون رصينا في أول لقاء وأن أكبح جنون الغواية قدر المستطاع.

تناولتْ القطة من يدي ما إن وضعت قدمي اليمنى على الأرض، احتضنتها بألفة وأخذتْ على مهل تمسد ما بين عينيها، قالت وهي في غاية الامتنان والسرور؛ 

شكرا أيها المتشرد الطيب، ألقت قطعة نقود معدنية بجواري وانصرفت.

تسمرت مكاني، جف حلقي ولم أعد أدري ماذا أقول.

 كثيرا ما كنت أتعرض للإهانة، لكن هذه المرة كان وقعها مؤلمًا للغاية!! 

قلت في نفسي وعيناي المندهشتان تتفحصانها وهي تغادر المكان؛ ماذا فعلت بحقك لأجد كل هذه الإساءة؟! أليس لك قلب يحس بما أحس به؟!

لم تبتعد كثيرا عندما تعثر حذاؤها العالي ووقعت على نتوءات الحجارة الحادة.. قلت؛ ها قد حانت اللحظة، لملمت عواطفي المقهورة وثوبي الممزق واتجهت ناحيتها، أمسكت معصمها وجررتها بعناية إلى أقرب جدار، أصيبت بخدوش صغيرة في ساعديها، وجرح نازف في كاحلها استعنت على تضميده بشالها المنسدل على كتفيها.

قبلت جبينها قبلة خاطفة وهمست لها؛ ستحصلين على ما يكفي من الوقت للراحة ومن ثم الرحيل إن شئت قبل أن ينزّ جرحك الكثير من الدم.. تركتها وعدت بأعماق تتأجج إلى ظل السدرة أجمع ما تساقط تحتها من ثمر النبق الأصفر.